كهنوت السياسة والاقتصاد

الدور البائس الذي لعبه رجال الكنيسة ضد الفرد في المجتمعات الغربية في القرون الوسطى، يلعبه اليوم بشكل أكثر سحقاً للفرد الغربي مجموعة من رجال السياسة، وبعض الفصائل الفكرية الغربية، وكثير من مؤسسات المال والاقتصاد والإعلام التي لا تمتلك معرفة كافية بقوانين الوجود، وحركة النظام الكوني، بل تتصرف تحت رؤية خيالية أشد وهماً من تلك المواعدات التي رسمها رجال الكنيسة والبابوات، الحرية الغربية يشكلها الأقوياء فقط في الغرب، والذين يولدون يتجهون نحو الأقوى في التأثير، ومن المؤكد أن هؤلاء لا يمتلكون خيارات كافية، ومن المؤكد أن الأقوى ليس بالضرورة هو الأفضل.
لقد أنتجت الحضارة الغربية المعاصرة ليس للفرد الغربي فحسب، بل لقطاع عريض في العالم مجموعة من الإيجابيات في حركة التطور والصناعة والتقنية، والتقدم العلمي في علوم الطبيعة والتجربة والتخطيط، وإن كانت كثير من دوائر القوة والسيطرة في الغرب تحاول المحافظة على التخلف الذي تعيشه دول العالم الإسلامي في هذه المفاهيم وما شاكلها، وتطلب ثمناً باهظاً لتقديم اليسير لدول العالم الإسلامي، ومع هذا التقدم فقد أبقت الحضارة الغربية فراغاً واسعاً في مفاهيم كثيرة ضرورية لحفظ الفضيلة والعدل، تلك التي حاول الفلاسفة الغربيون في عصر التنوير أن يشككوا في مصداقيتها، وجاء الواقع الغربي اليوم نتيجة لهذه الفلسفة التي تعالج هذه الفراغات بتهمة وهميتها، وعدم التأكد من ضرورة وجودها، وكان أخص هذه المفاهيم قانون الثقافة والتفكير، ونظام المجتمع التي عالجها الغرب بفلسفة الحرية، تحت سلطة العلمانية.
إن العلمانية تستعمل في الغرب سلطة وليست مفهوماً معالجاً، وهكذا هي في الرسم الفلسفي لها، لكن كثيراً من المجموعات الغربية ولاسيما الثقافية تريد أن تتحدث عن العلمانية كمفهوم راق، مؤهل لحل مشاكل العالم كله ، وأن على المسلمين أن يستوعبوا هذا الحل ويؤمنوا به كضمان لتطورهم، وصلاحيتهم للبقاء كما يفترض فرانسيس فوكوياما ، وكأنه نسي أن الغرب حين صدر العلمانية أو فرضها في بعض الدول الإسلامية أوجد أزمات من الارتكاس والتخلف، ولم يستنكر الغرب الاستفادة التي اقتبستها العلمانية في بعض البلاد الإسلامية من العقلية الشيوعية في فرض الذات والاستبداد والدكتاتورية، وربما كان هذا شكلاً من العلاقة معقولاً في فلسفة الغرب! وإن كنا ندرك أن العالم الإسلامي ليس أرضاً صالحة للعلمانية مهما كانت الظروف؛ لأنه لا يعاني مشكلة مع الدين كما عانى ويعاني الغرب.
صحيح أن هناك مشاكل نسبية مصدرة إلى الغرب، لكن بكل تأكيد فإن الغرب يصدر للعالم الإسلامي مشاكل أكثر عمقاً، وأيضاً فإن من السذاجة والوهم أن يفترض أن المشاكل الملحة في الغرب مصدرة من العالم الإسلامي.
إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر يجب ألا تتحول إلى سلطة تحاصر التفكير والعقلانية في قراءة المشكلة التي تواجه الغرب.
يقول أحد فلاسفة الغرب: إن كل إنسان يمكن أن يكون مفكراً حراً، وربما كان يتحدث عن حقيقة مهمة، وهي أن كل إنسان يمكن أن يتعرف على الحقيقة، بدون شك المجتمع الأمريكي يشكل سوقاً مفتوحة للأفكار كما يقول فوكوياما ، ولكن الأقوى من الفكر هي مؤسسات الضغط، والتأميم الغربية السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية، التي تتمتع بتقاطع في المصالح خاصة في حركتها داخل المجتمع الغربي المستهلك، وإن كانت قد تكون قادرة على التوحد في الحركة الخارجية إلى حد ما، إن الفرد الغربي هنا يعيش تحت سلطة هذه المجموعة الساحقة لخياراته الخاصة.
صحيح أن الفرد في الغرب يشعر بنوع من التعددية في الاختيار، لكنها خيارات محدودة فرضها تصارع القوى المنتجة داخل المجتمع الغربي، وفي دائرة اللاوعي فإن الفرد الغربي لا يتمتع بحرية خاصة، بل يبقى أن الخيارات الثقافية والاجتماعية مفروضة عليه باسم الحرية، والحقيقة أنها مجموعة من السلطات المتعددة المستبدة، وربما كانت الكنيسة أكثر هدوءًا وعفوية في استهلاك الفرد لصالحها.