حكم العمرة

القول بعدم الوجوب هو قول مالك و أبي حنيفة ورواية عن أحمد ورواية عن الشافعي وكأنها المذهب القديم له.
والظاهر -والله أعلم- أن ما ذهب إليه الأكثرون والجمهور هو الراجح أن العمرة غير واجبة؛ وذلك لأن القرآن الكريم نص على وجوب الحج ولم يذكر العمرة في موضع من المواضع.
وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر وجوب الحج وأكده كما في حديث: ( أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ). .
وحديث: ( بني الإسلام على خمس ) وغيرها، ولم يذكر العمرة. .
أما الأحاديث الواردة في العمرة فهي قسمان: أحاديث وردت في وجوب العمرة، وأحاديث وردت في عدم وجوب العمرة، وكلها لا تخلو من مقال، وأمثل ما ورد في هذا الباب ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( قلت: يا رسول الله! على النساء جهاد؟ قال: نعم. عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة ) .
وهذا الحديث -وإن كان ظاهر سنده أنه جيد- إلا أن لفظه الآخر عن عائشة رضي الله عنها ليس فيه ذكر العمرة، وهو مشهور، قالت: ( يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لكن -وفي رواية: لكن- أفضل الجهاد حج مبرور ) ولم يذكر فيه العمرة، وهذا يعكر على لفظ العمرة خصوصاً أنها لم ترد في رواية النسائي للحديث رقم (2628)، فلعل زيادة العمرة في الحديث من قبيل الشاذ أو المعلول، فالأحاديث الواردة في إيجاب العمرة أو في عدم إيجابها ضعيفة، فنرجع إلى البراءة الأصلية، إذ الأصل براءة الذمة من إيجاب العمرة .
ثم إن أعمال العمرة ليس فيها زيادة على ما في الحج ففيها الطواف والسعي والحلق أو التقصير، وهذه هي أعمال الحج، ولذلك جاء في الحديث: ( دخلت العمرة في الحج ) ، فقد فهم بعضهم أنه من هذا الباب.
فالعمرة سنة وليست واجبة.
بعض المعتمرين يهملون أهليهم الذين استرعاهم الله إياهم، فقد يسافر الأب والأم إلى مكة للعمرة، ويتركان أولادهما -من أجل الدراسة- في بلدهم، فيقضي الوالدان نصف رمضان أو أكثر في مكة، والأولاد طوال هذه المدة بدون رقيب، وقد يكونون من الصغار الذين لا يدركون، أو من المراهقين الذين يخشى أن ينـزلقوا في مزالق كبيرة -ذكورًا أو إناثًا- بسبب استفزاز شياطين الجن والإنس لهم، وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول!
وقد يحدث الخطأ بصورة أخرى، وهي أن كثيراً من الناس يسافرون بأهليهم إلى مكة، ثم يعتكف الأب في الحرم، أو يقضي غالب وقته فيه، ويغفل تماماً عن مراقبة أبنائه وبناته، تاركاً لهم الحبل على الغارب؛ فينتج عن ذلك من المساوئ ما يندى له الجبين. ومن مظاهر ذلك ما رأيناه ورآه غيرنا في أطهر بقعة من التبرج، وتضييع الحشمة لدى بعض البنات.
حقًا، إن اصطحاب الأبناء إلى البلد الحرام أمر طيب، فيه تربية لهم، وتمكين لهم من إدراك فضيلة الزمان والمكان، ومضاعفة الحسنات، فإذا كان الأب رجلاً حازمًا يستطيع أن يحافظ على رعيته فحبذا ذاك، وأما إن كان عاجزاً عن رعايتهم ومراقبتهم، وضبط تصرفاتهم فليبق في بيته؛ طلباً للسلامة من الفساد والضرر البالغ، الذي قد يلحق برعيته، فيرجع بوزرهم بدلاً من الرجوع بالثواب المضاعف.
البعض من أئمة المساجد، ومن المصلحين، الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، والوعاظ، والموجهين يتركون ثغورهم ويؤمون مكة؛ ليعتمروا ويقضوا العشر الأواخر هناك.
ولا ريب أن من كان مرتبطًا بإمامة أو وعظ أو وظيفة يحتاج إليها المسلمون؛ فإن الأوجب في حقه أن يبقى على ثغره، فإن في ذلك من تحصيل المصالح المتعدية خيراً كثيراً، وإن أبى إلا الذهاب للعمرة فليكن ذلك في مدة وجيزة يوماً أو يومين، يعود بعدها إلى مكانه؛ فإن من غير الحسن أن تخلو المساجد وغيرها من الوعاظ والمرشدين، والأئمة المؤثرين في هذا الزمان الفاضل -وخاصة العشر الأواخر- فلينتبه الحريصون على الخير لذلك، ولينظروا إلى الأمور بميزان عادل.