الرئيسة المقالات1426 هـحركة الحياة

حركة الحياة

من سنن الله أن الحياة حركة لا تتوقف، فالتوقف هو الموت، والفرق بين الحي والميت يكمن في الإرادة والفعل الناتج عنها، وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه: (( فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ))[هود:107] أما الإنسان فقد يقع له نقص أو عدم في الإرادة؛ فلا يوجد لديه التوجه لفعل الشيء.
وقد يريد ولكن لا تقع له القدرة على الفعل؛ لجهل أو عجز.
وقد يقدر على أمر ما ولكن يحتاج إلى من يعينه ويساعده، وقد يتحقق له كل هذا، ولكن يعارضه ما هو مثله أو أقوى منه؛ فيحول بينه وبين ما يريد.
فسبحان المتفرد بالقدرة التامة والخلق والإبداع!
و الحياة كالماء إذا ركد أسن وتغير، وإذا تحرك صفا وطاب، وفي ذلك من الأسرار الربانية ما يبهر العقول .
وهكذا تفرز قراءة التاريخ فيما يتعلق بحياة الأفراد والأسر والمجتمعات والدول؛ أنها لا تعرف الجمود والمكث الطويل دون تغيير وتفاعل.
ولعل هذا جزء من سنة التدافع والمداولة، يقول الله تعالى: (( وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ))[آل عمران:140].
ويقول جل جلاله: (( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ ))[البقرة:251].
فـ التدافع ليس بالضرورة أن يكون حرباً بين فئة وأخرى، بل قد يكون في داخل النفس، أو في داخل المجتمع؛ تقابل وتفاعل وصراع بين قوى مختلفة، تكون نتيجته شيئاً مختلفاً عما هو واقع، وعما تقتضيه هذه القوة أو تلك، ولكنه مزيج من هذا وهذا وذاك .
والمجتمع المسلم اليوم يعاني إشكالاً عويصاً ينذر بالخطر الداهم، وليس بالضرورة أن يتمكن المرء من تصور: ماذا ستكون عليه التحديات في المستقبل؛ لأنه يستقرئ من الماضي أن تصور الصفة التي سيقع بها الامتحان عسير.
وعلى المدى المشهود الذي عشناه.. من كان يتصور أن تقوم فئة بارتهان أقدس بقعة -المسجد الحرام- مدججة بالسلاح؛ لتحول بين الناس وبين البيت العتيق لفترة من الزمن، مع ما صاحب ذلك وتلاه من تبعات وآثار؟!
ومن كان يتصور غزو العراق للكويت الذي جاء مفاجأة مدهشة؛ فزع الناس منها إلى التكذيب والشك في الرواية حتى بانت الحقائق.. وما أفرزه ذلك من آثار مدمرة على المنطقة ظلت متفاقمة إلى اليوم؟
ومن كان يتصور أن تخطف مجموعة طائرات مدنية؛ لتضرب بها الأبراج العالية في نيويورك، وما بني على ذلك من تحول هائل في مجريات الأحداث السياسية وغيرها؟!
ومن كان يتصور أن تحتكم مجموعة إلى السلاح، وهي مندمجة ضمن أفراد المجتمع وأسره وبيوته، ومأواها الشقة والمنزل والاستراحة والشوارع المأهولة؟!
إن التحديات جزء من تبعة الحياة وناموسها الذي لا يتخلف ، وليس صحيحاً أن المحافظة على وضع ما هو الضمانة، وأن التغيير هو المحرك للاضطراب، بل إن التغير سنة ربانية، وما لم يسع إليه الناس بإرادتهم ووعيهم واختيارهم؛ فإنه يقع بسبب إفرازات لأحوال ذاتية منبعثة منهم، أو بسبب متغيرات خارجية قريبة أو بعيدة تفعل فعلها الذي لا يملك الناس إزاءه إلا الاستسلام وتبادل العتب والملام.
لقد وقعت أحداث أفغانستان ، وظن البعض أنها حدث معزول وينتهي، وأن أسبابه قائمة ومنعقدة ومعقولة.
ثم جرت أحداث العراق وصفق لها آخرون، ورأوا فيها إزاحةً لنظام بائد متغطرس، وهذا جزء من الحقيقة ولا شك.
ثم بدأت الأوضاع في فلسطين تتحرك بطريقة درامية الله وحده أعلم بما تئول إليه.
وها هي لبنان تقع تحت ضغط السنة الكونية في المتغيرات الذاتية والضغوط الخارجية وقد يلحقها غيرها.
فهي إذاً دوامة ليس من السهل أن تتوقف، وقد يكون من غير الصواب تفسيرها بأنها مؤامرة خارجية محضة.
نعم. هناك توظيف خارجي مكشوف، لكن سياق الأحداث يجري وفق سنن ربانية محكمة أن ثمة أحوالاً غير عادلة ولا مستقيمة، فهي إذاً لا تصلح للبقاء والاستمرار والأطراف الخارجية تسعى إلى توظيف مشاعر الناس وانفعالاتهم صوب الوجهة التي تخدم مصالحها.
إن من الحكمة أن يسعى رجال الإدارة والعلم إلى قراءة الواقع قراءة صحيحة واعية، وأن يضعوا أيديهم على مكامن الخلل ومواضع الداء، ثم ينتجوا من الحلول الجوهرية ما يضمن أن يكون لهم يد في صناعة المستقبل وسبق في تشكيله، وألا يكتفوا بالقول بأن الزمن كفيل بحل المشكلات، بل قد يكون الزمن من أسباب تعقيدها وتحويلها إلى حلقة مفرغة لا يعرف مبدؤها ولا منتهاها، ولا يملك الناس إزاءها حلاً ولا ربطاً.
الزمن أساس في الحل، والمبادرة لها سطوة وتأثير، أما الاتكاء على أن الأصل بقاء ما كان على ما كان وأن الأمور طيبة فهذا ليس جيداً .
كلنا يحمل تعاطفاً مع شعوب العالم الإسلامي ودوله، حتى ولو كانت تعاني ألواناً من التفريط والضعف والتفكك، ولا أحد يقبل بأن تتحول تلك الأوضاع إلى ما هو أسوأ منها؛ بيد أن المشكلة تكمن في صعوبة ديمومة هذه الأوضاع في مثل الظروف التي نعيش فيها.
فلم لا يتم تفعيل الكلام الجميل الذي نسمعه في المؤتمرات ووسائل الإعلام وغيرها، إلى خطط رشيدة للتدارك والتصحيح وتوسيع دائرة المسؤولية والاهتمام والاستماع الجاد للمشاريع الهادفة، التي لا تتعزز بقوى خارجية، ولا تستهدف انشقاقات داخلية؛ بل همها وقصدها إصلاح أوضاع المجتمعات وحمايتها من الذوبان في تيار العولمة أو الأمركة، ومن التمزق والشتات، وبروز مشاعر العنصرية والاختلاف والتباغض، ولعل هذا وذاك هما شقا الرحى التي تطحن أو تحاول عدداً من المجتمعات الإسلامية اليوم.
أم ترانا حالنا كحال دريد بن الصمة حين يقول:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى              فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
فلما عصوني كنت منهم وقد أرى             غوايتهم وأنني غير مهتدي
وهل أنا إلا من غزية إن غوت             غويت وإن ترشد غزية أرشد
فاللهم ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشداً.