الرئيسة المقالات1432 هـتطبيع الخلاف (13)

تطبيع الخلاف (13)

من فوائد إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بما سيقع قدراً مما هو مخالف للشرع فوائد تتصل بهذا الباب.
في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتفق عليه: ( لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن! ).
فإخباره صلى الله عليه وسلم بهذه الأمور المستقبلية يخفف من وقعها على النفس، ويجعل المسلم عند وقوعها سليماً من الكرب والضيق والانقباض، يتعامل معها بواقعية وتفهم، بعيداً عن الانفعال والتشنج، وهو يدرك أنه لا يعيش في عصر النبوة ولا القرون الفاضلة... إنه لا يسكت عن الخطأ، ولكنه يحاول تغييره بطول نفس وحلم، وصبر ومصابرة ومجاهدة، وبروح بعيدة عن المثالية الحالمة المجافية للواقع.
فضلاً عن أن هذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم: (( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ))[الأحزاب:22].
وكان صلى الله عليه وسلم يخبر أمين سره حذيفة بن اليمان عن الفتن، يقول حذيفة رضي الله عنه: ( وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه، فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غـاب عنه، ثم إذا رآه عرفه ).
وكان حذيفة رضي الله عنه يرى الشيء من ذلك فيقول: [ صدق خليلي عليه الصلاة والسلام ]. كما ثبت مثل هذا عن غيره من الصحابة.
إن المتأمل في دقائق الواقع، والمطلع على تفاصيل الأخبار النبوية في الباب، يجد من المعاني الخاصة والتطابق التام بين خبر النبوة وبين واقع الحال ما يفوت على كثير من غير المتأملين؛ فإن الخبر النبوي ينطوي على تحذير من الوقوع في هذه المنكرات، وهذا يقتضي التنبيه إلى أهمية التفريق بين القدر والشرع، فالقدر هو الإرادة الكونية؛ حصول الأحداث والوقائع خيراً كانت أو شراً، موافقة للشريعة أو مجافية لها، ولذا لا يحتج المؤمن بالقدر على صحة الفعل، ولا يغتر بوقوع الأمر فيتساهل فيه أو يخطئ مع من أخطأ، أو يضل مع من ضل، أو يخالف مع من خالف، بل يدرك أن الخبر النبوي كان تحذيراً، حتى يلتزم المؤمنون بالمنهج النبوي الصحيح، ويبتعدوا عن الانحراف، ولا يطوعوا أنفسهم على الانسياق للواقع الخاطئ.
فيجمعون بذلك بين الحسنيين، فمن جهة لم يكن هذا الواقع حاملاً لهم على الضيق والتبرم، والعزلة ومباعدة الناس، وسوء الظن بهم مما يؤثر على نفسياتهم وعطائهم، ودعوتهم وبذلهم، وذلك بسب الحصانة والتهيئة النفسية المسبقة.
ولم يكن وقوع هذا الأمر سبباً في أن يقعوا هم فيه كما وقع غيرهم؛ ولذلك ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام عظم الثواب لمن تمسكوا بالمنهج القويم عند فساد الأمة.
ومن شهير الأحاديث في ذلك: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم. قيل: يا رسول الله، أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم ).
وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: ( يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر ).
فهذا فيه تثبيت وتصبير، وهذا غاية ما يطمح إليه المؤمن؛ لأن من الناس من يضعف فيعجز عن تحمل الواقع ومعايشة آلامه، بسبب طبيعته النفسية.
وفي الحديث المتفق عليه من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله. قيل: ثم من؟ قال: رجل معتزل في شعب من الشعاب، يعبد ربه ويدع الناس من شره ).
وفي حديث آخر: ( ليس من الناس إلا في خير ).
ذكر المقام الأول، وهو مقام المؤمن المجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، والجهاد ليس مقتصراً على الجهاد بالسيف والقتال؛ فالقتال أخص من الجهاد؛ ولذلك قال: ( بنفسه وماله ). فالجهاد بالمال من صور الجهاد، ويتمثل في بذله في سبيل الله والدعوة، وعلى الفقراء والمساكين والمحاويج، والجهاد بالعلم، وأبواب الجهاد كثيرة في كل زمان ومكان، ومنها الجهاد بالسيف الذي هو ذروة سنام الإسلام في وقته وبشرطه، فهذا المقام الأول.
وثمة من لا يستطيع التكيف مع مثل هذه الظروف، فهو ضيق الصدر حرج القلب، كلما رأى منكراً ضاق صدره وتبرم، وبات ليلته لا يجد النوم إلى عينه سبيلاً، فمثل هذا يحتاج إلى قدر من العزلة لنفسه، لكن ليس الاعتزال الكلي، بحيث يترك الجمعة والجماعة، بل يعتزل اعتزالاً جزئياً، ويجتنب الأشياء التي تحدث له التغير المجهد والشاق، ويقتصر على الجمعة والجماعة، وحضور مجالس الذكر والمناسبات اللازمة لصلة الرحم، وحفظ الصداقة ونحوها؛ لئلا يتأذى أو يؤذي بكثرة عتبه وتلومه، ودخول الأمر إلى نطاق المعاندة والعداء والكراهية.
ومن الأحاديث المتعلقة بمحل البحث، ما رواه أحمد، وابن ماجه، والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما مرفوعاً: ( يوشك أن يغربل الناس غربلةً، وتبقى حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم وأماناتهم، وكانوا هكذا. وشبك بين أصابعه، قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله إذا كان ذلك؟ قال: تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على خاصتكم، وتدعون عامتكم ).
فأشار إلى الحثالة الذين خفت عهودهم واختلفوا، وأمر بأخذ المعروف وترك المنكر، والإقبال على الخاصة من أهل الإيمان والتقوى والصبر.