الرئيسة الفتاوى1422 هـحال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده

حال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده

رقم السؤال: (9774).
التاريخ: السبت 18/ ذو الحجة/ 1422 الموافق 02/ مارس/ 2002م.

السؤال :

أشهد الله أني أحبك في الله، وأحب جميع العاملين في هذا الموقع، وأسأل الله أن ينفع بكم ويبارك جهودكم، ويرزقكم الإخلاص، ويحفظكم من كل مكروه. أما سؤالي فعن شخصين هما: الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، هل هما من السلف الصالح لهذه الأمة وينصح بقراءة مؤلفاتهما؟ حيث يعتبرهما البعض من المجددين في الإسلام ويقرنهما بالشيخ محمد بن عبد الوهاب، أم أنهما من أصحاب المنهج العقلي الذين يقدمون العقل على النقل، أم غير ذلك؟ علماً أن ما أثار التساؤل لدي هو تردد ذكرهما على لسان بعض العقليين والحداثيين وغيرهم من المشبوهين الذين لم يعرفوا بالصلاح والخير، وجزاكم الله خيراً.

الجواب :

الكلام حول الشخصين المذكورين جمال الدين الأفغاني، محمد عبده طويل، وقد كتب عنهما الأسـتاذ محمد محمد حسين في العديد من كتبه ككتاب الإسلام والحضارة الغربية، وكتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، ولكنه حاكمهما بصرامة، وربما كانت أحكامه تمثل أحد الوجهين باتجاه الرجلين.
بينما ينظر آخرون إلى الظروف التاريخية التي ظهرا فيها ويجتهدون في التعذير لهم.
وبالنسبة للأول: فإن شخصيته محاطة بالغموض، بدءاً من أصله المتردد بين كونه إيرانياً أو أفغانياً، ومروراً بتوجهاته الفلسفية وإغراقه في التصوف، وتحركاته وعلاقاته وانتماءاته التي منها علاقته بالمحفل الماسوني كما هو موثق في كتبه، وانتهاءً بالمدرسة التي تركها وراءه، والتي تضم أطيافاً وأطرافاً متباعدةً. ولعل الشيخ محمد عبده من أمثل وأفضل من تتلمذوا عليه وتأثروا به وسافروا معه؛ ولكنه اختلف معه بعد ذلك وانفصل عنه وانتقده بولعه بالسياسة وانهماكه فيها، بينما كان الأفغاني يرمي محمد عبده بالجبن والخور؛ ولهذا لما مات الأفغاني لم يكتب محمد عبده شيئاً في رثائه.
وقد اتجه محمد عبده بعد فترة السجن والاغتراب وفشل الثورة العرابية إلى العناية بالتربية والتعليم والإصلاح، وكتب كتباً كثيرة، وألقى دروساً في التفسير وغيره، وترقى في المناصب حتى كان مفتياً عاماً لـمصر، وقد أتيح لي أن أقرأ أعماله الكاملة التي جمعها الدكتور محمد عمارة، وأبرز ما يمكن تسجيله في هذه العجالة ما يلي:
1) أن الرجل كان غزير العلم واسع الاطلاع في الشريعة، واللغة، والأدب، والتاريخ، والاجتماع، والعمران، وغيرها، ومحاضراته في النصرانية وردوده على المستشرقين والقسس ذات نبرة علمية عالية وحرارة وغيرة وإخلاص.
وكان شديد الحرقة على واقع الأمة، مما يؤكد أن العثرات التي وقع فيها لم تكن عن تعمد، وكما قال الشافعي رحمه الله: ليس من أراد الحق فأخطأه كمن أراد الباطل فأصابه . وللرجل مقام حسن في الدعوة إلى اتباع الكتاب والسنة، ورفض التعصب المذهبي، ومحاربة الصوفية الغالية والقبورية والتشيع، حتى قال الشيخ محمد رشيد رضا: إن للشيخ محمد عبده رأياً في الشيعة أشد من رأي ابن تيمية فيهم، ولكنه لم يكن يبوح به لأسباب خاصة.
وفي كتبه مقالات وخطب في محاربة البدع الشائعة كبدع المآتم والزواجات وغيرها.
2) وفي مقابل ذلك فإن الرجل أسرف في التأويل وتوسع فيه فيما كتبه وأملاه في التفسير توسعاً خطيراً، وجاء بأوابد لم يسبق إليها، وإن كان يقول كثيراً منها على سبيل الاحتمال والمذاكرة والتردد، إلا أن سياقها في مجال تفسير الكتاب العزيز يوحي بميل الشيخ إليها.
وقد تعقبه في بعضها تلميذه الشيخ السلفي محمد رشيد رضا في تفسير المنار، وتابعه هو الآخر على شيء منها، والله يغفر لهما ويسامحهما.
كما أن موقف الشيخ من الاستعمار وخططه التغييرية كان محل نقد من مترجميه ومعاصريه ولعله كان يؤثر عملاً هادئاً بعيد الأثر يتلاءم مع الواقع كما يقدره هو.
ويقول البعض: إن ما كتبه قاسم أمين حول تحرير المرأة والمرأة الجديدة كان بإيحاء من الشيخ محمد عبده، بل اتهموه بأنه كتب أخطر الفصول في هذين الكتابين، وهذا ما أيده الدكتور محمد عمارة في تعليقه ودراسته، لكن يبدو أن الأمر ليس واضحاً جلياً، فإن أسلوب الشيخ واضح متميز ولا يشبه أسلوبه الكتابين في شيء، ولا يوجد -فيما يظهر- ما يدعو محمد عبده إلى التخفي، فهو يملك من الشجاعة ما لا يملكه قاسم أمين. وفي هذين الكتابين من الآراء الغريبة كتحريم تعدد الزوجات، وعدم إيقاع الطلاق إلا عند القاضي وبشروط وإجراءات خاصة، وهذا يختلف تماماً عما قرره محمد عبده في كتبه.. والموضوع يتطلب تفصيلاً أوسع من هذا، والله الموفق.