الرئيسة المقالات1424 هـما بعد العراق 1-3

ما بعد العراق 1-3

قوات غازية تجتاح عدة ولايات أمريكية بما فيها واشنطن وتقتحم البيت الأبيض، واختفاء الرئيس الأمريكي ونوابه ومساعديه وسط حالة من الفزع والذهول!
الثوار الغاضبون المحتجون على السياسة الأمريكية يحتلون الشوارع، ويهتفون ضد الإدارة، ويتهمونها بممارسة جرائم حرب وإبادة، وبتضليل الشعب، وبانتهاك وخرق القوانين ومصادرة الحقوق، مجموعة من السجناء تقتحم السجن، وتنضم إلى الثوار.
مدمنو مخدرات يرفعون لافتات تقول: كفى ترويعاً للشعب، كفى ترويعاً للآمنين، محتجون يدمرون تمثال الحرية، ويضعون عليه خرقة مكتوب عليها: انتهى وقت الخداع، اكشفوا الأقنعة عن وجوهكم البشعة يا تجار النفط، الشعب يرفضكم ولن يختاركم بعد اليوم، أيد خفية تحرص على الفوضى والدمار؛ نكاية بالإدارة وإظهاراً للشماتة بها، خمسون ألفاً من اللصوص في سان فرانسيسكو يتجولون في الشوارع، هل أنت في حلم لذيذ؟!
هذا الحلم اللذيذ المنبعث من عمق الخيال هو انعكاس لما يجري في عاصمة الرشيد اليوم، ولعله صورة من صور المستقبل.
لقد هجم علي البارحة موجة عارمة من الحزن والكآبة، لا أظن أحداً من المسلمين بقي بمعزل عنها وهو يرى ويسمع سقوط مدينة الخلافة بأيدي علوج الروم.
يا دجلة الخير ما يغليك من حنق            يغلي فؤادي وما يشجيك يشجيني
ما إن تناهت سياط البغي ناصعة            في مائك الطهر بين الحين والحين
ووالغات خيول البغي مصبحة            على القرى آمنات والدهاقين
أدري بأنك في حزن وفي لغب            والناس حولك عدوا بالملايين
يرون سود الرزايا في حقيقتها            ويفزعون إلى حدس وتخمين!
الوداع يا بغداد ! يا بلد المنصور و الرشيد و النعمان و أحمد و الكرخي و الجنيد و إسحاق و مطيع و حماد ، يا منزل القادة والخلفاء والمحدثين والفقهاء والزهاد والأتقياء والشعراء والظرفاء، يا مثابة العلم والتقى، وموئل المجد والغنى، يا دنيا فيها من كل شيء شيء، الوداع يا دار السلام ، ويا موئل العربية، ويا قبة الإسلام، ويا منارة التاريخ، ويا منبر الحضارة.
منذ أوائل الألف الخامس قبل الميلاد، تاريخ موغل في القدم، شهد سهل الرافدين قفزة مهمة في التاريخ، بالانتقال من القرى الزراعية إلى حياة المدن، ومر على هذا السهل زمن كانت فيه شبكات القنوات معجزة من معجزات الري في العالم.
مرت عليه قرون وأجيال وأمم لا يحصيها إلا الله تبارك وتعالى، السامريون وهم من أقدم بناة الحضارة في التاريخ كله، ومن العراق انطلقت أكبر إمبراطورية معروفة في التاريخ، ثم جاء البابليون والآشوريون والكلدانيون، وكان الفتح الإسلامي درة العقد في هذا البلد الطيب، فحفظ للإسلام وده ووفاءه وبقاءه، وظلت العراق عاصمة للخلافة مئات السنين.
بنيت بغداد في عصر أبي جعفر المنصور ؛ لتكون عاصمة الخلافة، وبلغت أوجها في عهد الرشيد ، ولذلك كانت تسمى: عاصمة الرشيد ، كما تسمى دار السلام و المدورة و الزوراء و بغداد .
التاريخ يعيد نفسه، ففي عام (656هـ) انطفأت تلك الشعلة الوهاجة، وذلك عندما أقبل التتار بقيادة هولاكو حفيد جنكيز خان واستباحوا بغداد ، واصطبغت دجلة بلون الدم؛ لكثرة ما ألقي فيها من الجثث، كما اصطبغت بلون الحبر؛ لكثرة ما ألقي فيها من الكتب، فكانت نهاية لمجد وحضارة، واشتعلت الحرائق حتى اعتكر دخانها غيماً أسود عظيماً في سماء بغداد ، واغتيلت حضارة من أغنى الحضارات الإنسانية، إنها حضارة الإسلام.
  1. توجيهات قرآنية