الرئيسة المقالات1427 هـأقدار الحق

أقدار الحق

يقال: إن ذا القرنين لما قربت وفاته قال لوالدته: يا أمي! إذا مت فاصنعي وليمةً ضخمة، وادعي لها أفراد الشعب كلهم، لكن أخبريهم ألا يحضر أحد سبق وأن أصيب بمصيبة، فصنعت الأم ذلك لما مات ودعت الشعب، ونادت بأن لا يحضر أحد أصيب بمصيبة. فلم يحضر أحد.
فعرفت أن ولدها كان يعزيها بعد وفاته، ويقول لها: إن هذه المصيبة التي نزلت بك ما من أحد إلا وقد مرت به أو أصيب بها يوماً من الأيام.
وهذه هي الحياة.. زاخرة بالمشكلات التي تقع في كل بيت وأسرة وشخص وحي، فيأتي المسلم بإيمانه بالقدر؛ ليتعامل بشجاعة وصبر وثبات، فهنا تدرك كيف أن ارتباط الإنسان بالله، وشعوره بأن الله تعالى هو الذي يدبر الكون من حوله يجعله يشعر بحميمية الحياة، وحينما يجد نفسه محروماً من متعها أو بعضها فذلك يعطيه دفعةً للعزيمة والإيمان والإيجابية في مواجهة الحياة.
ولو تخيلنا أن الإنسان الذي لا يؤمن بإله، ولا يرضى بقضاء وقدر وقد حلت به نفس المصائب فسوف يقتل نفسه حسرات؛ لأن فرصته الوحيدة للعيش هي هذه الحياة الدنيا التي يؤمن بها وحدها قد ضاعت بين أصابعه كما ينزلق الزئبق، وفي الجانب الآخر نرى صورة قد ابتلي بها بعض المسلمين حين يتخيل أنه مجبور مسلوب الإرادة، وأنه بين يدي الحياة والأقدار كالريشة في مهب الريح، فيتنكر للفطرة في داخله التي تؤمن بإرادة الإنسان واختياره.
أما إذا سلك سبيل القصد والوسطية فآمن بالله الذي له الخلق والأمر، وأن الكون يسير بإذنه وعلمه سبحانه، أعطاه ذلك إيماناً عميقاً وهدوءاً، وآمن بأن الإنسان الذي خلقه الله جعل له إرادةً وقوةً وعقلا، ثم جعل الله هذا الإنسان مسئولاً عن اختياره، ولا شك أن هذا الاعتدال والتوازن في فهم القضاء والقدر سيجعل منه محفزاً لأن يكون الإنسان على مستوى المسئولية في مواجهة الحياة والعمل، وحينما يعلم الإنسان أن الله تعالى أراد أن يجعل للإنسان إرادة، وأن من مشيئة الله أن يتيح فرصةً لمشيئة الإنسان؛ لينظر الله كيف يعملون: (( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ))[التكوير:29]، فهداه الله للنجدين: (( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ))[الإنسان:3].
وتحدث الله عن مشيئة الإنسان أيضاً في أخطر قضية، فبين أن وظيفة المسلمين هي الدعوة والبيان: (( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ))[الكهف:29].
ولو نظرنا عملياً، وبعيداً عن الجدل الفلسفي الطويل لعلمنا أن الإنسان يقوم ويقعد، ويأكل ويشرب باختياره، وهو يعلم أن ذلك كله من إرادته وقصده، فهذا معنى فطري واضح، ومعنى شرعي بين، لا يحتاج معه لكلام جدلي، ونحن أيضاً نستطيع معرفة الفرق بين اثنين: إنسان يشعر بأنه مختار كمن يسير فوق السطح، وقام بإرادته ليبحث عن الدرج، ثم نزل درجةً درجة حتى وصل إلى القرار، فهذا تصرف باختياره، وبين آخر كان في السطح ثم قام مجموعة من الناس وحملوه وقهروه وتغلبوا عليه وأنزلوه من الدرج، وهو يحاول أن يقاوم، لكن دون جدوى، فهل يستوي الاثنان؟!
الأول: مارس حريةً في اتخاذ القرار، والثاني حرم من هذه الحرية.
وفي التشريع الإسلامي تكون المحاسبة والمسئولية للإنسان على قدر حريته وقدرته في اتخاذ قراره، يقول الله تعالى: (( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ))[البقرة:286].
ثم بين ما يلتبس به الاختيار بالعمل الذي لا يستطيع الإنسان التحكم الدقيق به، فقال بعد ذلك: (( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ))[البقرة:286].
ويقول سبحانه في الآية الأخرى: (( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ))[الطلاق:7]، و كلما قل اختيار الإنسان قلت مسئوليته بحسب ذلك ، ولذلك فقد يعمل كثيرون نفس العمل فتختلف حساباتهم في الآخرة وتتفاوت، مع أنه ذنب واحد، ومن هنا جاء في صحيح مسلم: أن الأشيمط الزاني أحد الثلاثة الذين يغضب الله عليهم يوم القيامة؛ لأن الدوافع عنده ضعيفة لمثل هذا العمل، فهو بحث وتحرى ووصل للحرام، وفي الدنيا يختلف حد غير المحصن بالزواج عن المحصن من الذكور والإناث؛ لأن المحصن عنده مسلك شرعي لقضاء أربه وشهوته، بخلاف الأعزب غير المحصن.
كل ذلك في وزن دقيق للأعمال عند من لا يظلم الناس شيئاً: (( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ))[الزلزلة:7-8].
فبهذا التكليف الإسلامي نسلم من الخوض الكلامي في القدر والحرية والجبر والاختيار، وبعد هذا الوضوح في المفهوم لماذا يتذرع الإنسان بالأقدار مع أن الله قدر له حرية الإرادة واتخاذ القرار؟
إن الإيمان بالقضاء والقدر مفهوم إسلامي عظيم، يحمل مقاصد إيجابية واضحة تجاه الحياة ومصاعبها ومتاعبها، وهو في طياته الحقيقية يمنع أي استغلال له أو تبرير لواقع سلبي سيء، ويعتبر الإسلام مثل هذا العمل التبريري مغالطةً مكشوفة، يقول الله جل جلاله: (( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ))[الأنعام:148]..
إن الأقدار بمعناها الحقيقي والإيمان بها يعين الإنسان على تمثل الشجاعة والكفاءة في مواجهة الحياة والمشكلات، وليس الهروب منها، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
أي يومي من الموت أفر            يوم لا قدر أم يوم قدر
يوم لا قدر لا أرهبه            ومن المقدور لا ينجي الحذر
فكان يقول ذلك ويجالد في ميدان المعركة، والإيمان بالقدر يهب المؤمن خلق العفو والصفح ويقربه من التسامح، وهذه المفاهيم من أهم القضايا التي نحتاج إلى إشاعتها في مجتمعاتنا الإسلامية، ونحتاج لتعويد الناس وتدريبهم على ذلك، والإيمان بالقدر يدفع إلى التوكل وفعل الأسباب.
ويا لشقاء الناس حين يفهمون القدر على أنه استسلام خاسر للناس والحياة، ورضاً مهين بالواقع، بينما القدر هو الذي يحفز الإنسان على العمل، وهو السبب الذي يدفع إلى البحث عن أقدار الخير والقوة.
لما ذهب عمر بن الخطاب إلى الشام وعلم أن الطاعون منتشر بها، قالوا: [ يا أمير المؤمنين! ننتظر. قال: لا، بل نرجع. قالوا: تفر من قدر الله؟! قال: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله ]، رواه البخاري و مسلم، وكذلك الذي يرعى في الأرض المجدبة حين يفر إلى الأرض المعشبة فإنه يفر من قدر الله إلى قدر الله.
ومما يروى عن الشيخ عبد القادر الجيلاني أنه كان يقول: إني عالجت أو نازعت أقدار الحق بالحق.
ولذلك أقول: إن أقدار الأخطاء الفردية للمسلم -كفعل المعاصي والذنوب أوترك الصلاة أو عقوق الوالدين- ذنوب عليه أن يعالجها بأقدار الاستعانة بالله والفرار إلى قدر الطاعة، وكذلك الذنوب الجماعية مثل ذنوب المسلمين بتخلفهم، وضعفهم، والتشتت السياسي، والفشل في إدارة كثير من الأزمات داخل المجتمعات الإسلامية، والهروب من مواجهة المشكلات، والصراع الداخلي، والتفرق، والبغي والتطرف والتعصب، والهشاشة العلمية والثقافية والتقنية، كلها من الأقدار المؤلمة التي ابتلي بها المسلمون، فعلينا أن نعالج كل هذه الأقدار بأقدار الاستقامة والحوار والتعددية والإصلاح، وأن نستبدل أقدار الفشل السياسي والاجتماعي والثقافي العام في العالم الإسلامي بأقدار النجاح والتقدم السياسي والاجتماعي والثقافي، وكل مجالات العمل في الحياة.
وإذا الشعوب المسلمة أرادت أن تعيش بهناء وكرامة وشرف فعليها أن تحدد ما تريد من أقدار الخير والإيمان والعمل والنجاح، أو أقدار الشر والضياع والكسل والفشل: (( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ))[الإنسان:3].