الرئيسة المقالات1426 هـأزمة الفهم

أزمة الفهم

ثمة أزمة يعانيها فئام من الناس تستعصي إفرازاتها أحياناً على الحل أو حتى التدارك، تلك هي أزمة الفهم.
الفهم من أجل نعم الله عز وجل على عباده؛ فإن شاركه حسن القصد كان هو الغاية، فبه يأمن الإنسان بنيات الطريق ويهتدي إلى أصحاب الصراط المستقيم: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ))[الفاتحة:6].
الفهم: هو من توفيق الله عز وجل لعبده، وهو نور يميز به الفاسد من الصحيح والحق من الباطل والغي من الرشاد.
والناس متفاوتون في درجات الفهم، ومراتبهم في ذلك بعدد أنفاسهم وبما لا يحصيه إلا الله عز وجل؛ إذ لو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقدام العلماء والفقهاء في العلم، وما كان للفهم خصيصة يمدح بها صاحبها أو تذكر في موضع الثناء.
وفي عهد داود و سليمان عليهما السلام خرجت امرأتان معهما صبيان لهما، فعدا الذئب على إحداهما فأخذ ولدها، فأصبحتا تختصمان في الصبي الباقي إلى داود عليه السلام، فقضى به للكبرى منهما، فمرتا على سليمان فقال: كيف أمركما؟ فقصتا عليه، فقال: ائتوني بالسكين أشق الغلام بينهما، فقالت الصغرى: أتشقه؟ قال: نعم. فقالت: لا تفعل حظي منه لها، قال: هو ابنك. فقضى به لها.
قال تعالى: (( فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ))[الأنبياء:79]، فخصه الله عز وجل بفهم هذه القضية وأثنى عليه وعلى داود عليه السلام بالعلم والحكمة: (( وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ))[الأنبياء:79]، وقد كان داود معروفاً بدقته في تحري الصواب والفطنة إليه.
وإذا كان الفهم هو معرفة الشيء وتصوره من اللفظ والعلم به ، أو هو هيئة للنفس تتحقق بها معاني ما يحس؛ فإن الفقه هو الفهم بمعنى خاص يدخل فيه العقل والقلب والجوارح.
وقد جاءت لفظة الفقه في القرآن في نحو من عشرين موضعاً من تأملها وجد أنها لا تقتصر على مجرد الفهم ، فمن سمع كلاماً أو قلده صوتياً أو حفظه لا يقال له فقه ذلك إذا كان خاليا من فقدانه للشعور بمعنى ما سمع وتأثره به وإدراك مراميه.
قال تعالى: (( فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ))[النساء:78]، (( قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا ))[هود:91]، (( وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ ))[الأنعام:25].
فهم قطعاً عرفوا الألفاظ وربما حفظوا الكلام، لكن المعنى والأثر واللازم لم يخالط شغاف قلوبهم ولم تلن له أفئدتهم وتتقبله أنفسهم.
يقول الشاعر:
رب وا معتصماه انطلقت            ملء أفواه البنات اليتم
لامست أسماعهم لكنها            لم تلامس نخوة المعتصم
فالفقه عملية نامية متطورة ترتكز على جانب فطري وجانب مكتسب، و فقيه النفس هو من كان عنده ملكة فطرية طبيعية للفهم، ثم طور ذلك بالعلم وزكاه .
وفي الصحيح: ( خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا )، ولعل معنى الحديث أن الكمال الفطري والشرعي هو الغاية، وأن من حباهم الله بذلك فهم خيار الناس، والفهم الذي هو غاية الفقه لا بد أن يشتمل على:
أولاً: فهم الواقع والفقه فيه ومعرفة مداخله ومخارجه وحقيقة ما تجري عليه الأمور زماناً ومكاناً ومرحلة وسياقات للأحداث؛ فيُستنبط منه علم تحفه القرائن وتفسره العلامات ويشهد له العقل السليم.
ثانياً: فهم الواجب الذي ينبغي تجاه هذا الواقع، وهو فهم حكمه الذي حكم الله به في كتابه أو على لسان رسوله، ويطبق أحدها على الآخر ويرى ملاءمته، وهنا يدور الأمر بعد استفراغ الوسع والجهد بين الأجر والأجرين، وهذا عين ما أراده أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في رسالته التي تلقتها الأمة بالقبول إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: [ ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال والأشباه، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله فيما ترى وأشبهها بالحق ]..
وهو ما توصل به شاهد يوسف لمعرفة الجاني في قوله: (( إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ))[يوسف:26-27].
وتوصل به سليمان عليه السلام إلى معرفة عين الأم: ائتوني بالسكين أشق الغلام بينهما.
واستخرج به علي رضي الله عنه كتاب حاطب من المرأة بقوله: [ والذي يحلف به لتخرجن الكتاب أو لأجردنك].
وهو أيضاً الذي فطن له الزبير بن العوام واستطاع إخراج كنز حيي بن أخطب عندما ظهر له الكذب بدعوى ذهابه بالإنفاق بقوله: [ المال كثير والعهد أقرب من هذا ].
وتنشأ مشكلات الفهم من أربعة أمور:
  1. الأول: الخلط بين الحادثة المفردة والحكم العام

  2. الثاني: الخلط بين الفكرة المحددة والانطباع

  3. الثالث: عدم القدرة على الاستيعاب

  4. الرابع: التحيز