اختصار

الحديث فن، والكتابة كالحديث، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أوتي جوامع الكلم؛ فكلماته يسيرات مختصرات لو شاء العاد أن يعدها لأحصاها؛ كما قالت عائشة رضي الله عنها: [ لم يكن يسرد الحديث كسردكم ].
وكلما قلت الحروف اتسع مضمونها، فـ الحكمة هي عبارات معتصرة مختصرة لا حشو فيها ولا تطويل ، وربما كان ضيق الوقت سبباً في اضطرار العقل واللسان إلى تحويل الفكرة الواسعة إلى كبسولة سهلة المحمل طيبة الريح.
الكثير من المتحدثين يسترسلون ثم يقول أحدهم: سأختصر نظراً لضيق الوقت، ولا أريد الإطالة، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.. فيأخذ جزءاً لا بأس به من الوقت القليل في الحديث عن الاختصار وعدم الإطالة، ولا أريد أن أعيد وأكرر ما قاله سابقون.. ومرور سريع على عبارات شكر وثناء لمضيف أو رئيس أو راع، وكأنه لا يثق أن عقل السامع وفهمه سيحفظ له الاختصار ويدركه، ولو لم يكن أشار إليه وأعلنه؛ بيد أنه سيأخذ عليه الوعد بالاختصار، والذي نقض عملياً في اللحظة الأولى حين استطرد في الحديث عن ضيق الوقت، وأهمية الاختصار!
من طبع المرء أن يسأم حين يتحدث الآخرون ويستطيل الحديث ويتململ وينظر في الساعة، ويرى أن المتحدث لم يحسن التقدير.
حين تأتي النوبة إليه فحديثه مرغوب، وكلامه درر، وهو بدأ من حيث انتهى الآخرون، وحين ينبهه حارس الوقت على أن الوقت قد انتهى يفاجأ بهذه الورقة تندس إليه ويستغرب، أو يداخله الشك في العدالة، ولم لا وهو لم يبدأ الحديث بعد؟!
أنانياتنا لا تنتهي، و لعل رأس الفضائل هو اكتشاف سيطرة الأنا وسطوتها على النفس والسلوك واللغة ، وهيهات أن يصل امرؤ إلى أن يعامل نفسه كما يعامل الآخرين، إلا أن يكون من أهل الولاية وكمال التقوى.
أما عموم الخلق فعندهم ميزانان: أحدهما للنفس وآخر للغير؛ أياً كان هذا الغير، وليسا سواءً في وزنهما، فميزان النفس أساسه العذر، وإحسان الظن، والثقة، والإعجاب بالإنجاز والكفاءة، وميزان الغير أساسه الإشفاق على تقصيرهم، هذا إن كان من المنصفين، وإلا فالعبث والازدراء والتنقص والملامة وفي الأثر عند ابن حبان وغيره: ( يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه ).
جبل الأنا الجاثم على القلب والعقل لا يبدو منه في ألفاظنا ولغتنا وخطابنا إلا قمته، أما امتداده الراسخ فحيث لا ترى عين ولا تسمع أذن، إلا أن الله العظيم المطلع على السرائر يعلمه؛ فيرحم ضعف عبده، أو يعينه على تجاوزه، أو يخلي بينه وبين نفسه فهناك العطب والهلاك.