حقوق الأسير في الإسلام

1- من حق الأسير: عدم إكراهه على ترك دينه، فلا يكره على الدخول في الإسلام، وإنما يدعى إلى الإسلام بالتي هي أحسن، وفي العصر الحاضر يعرف هذا بالحرية الدينية، يقول الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ))[الأنفال:70]، ففيها استمالة لهؤلاء الأسرى، وتجديد الدعوة لهم، وفتح باب التوبة أمامهم، وترغيبهم بما يعوضهم عما دفعوا من الفداء، ويعدهم إن هم دخلوا في الإسلام طائعين مختارين بالرزق الوفير في الدنيا والآخرة، والمغفرة لما سلف من ذنوبهم قبل الإيمان، وفي هذا دليل واضح على أنهم لا يكرهون على الدخول في الإسلام، ولم يقع قط أن أكره أسير على أن يدخل في الإسلام.
ومن الأدلة على ذلك: قصة ثمامة بن أثال الحنفي وهي في البخاري (4372) و مسلم (1764) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وكان مشركاً أسره جيش المسلمين وربط في المسجد فأتاه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: ( ما عندك يا ثمامة! فقال: عندي خير يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان من الغد قال له مثل ذلك، وفي اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم: أطلقوا ثمامة! فأطلقوه فإذا به يذهب ويغتسل ويعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله يا محمد ما كان على ظهر الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان على ظهر الأرض دين أبغض علي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان على وجه الأرض بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي ).
وهكذا أثرت هذه المعاملة الحسنة والخلق الكريم، في استمالة قلب رجل غير عادي، إنه ليس من بسطاء الناس أو سذجهم، بل هو سيد قومه، ولم يكن إسلامه إسلام تقية، أو خوفاً على نفسه وحياته.
2- ومن حقوقه: إطعامه ما يكفيه من الطعام والشراب؛ ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: (( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا ))[الإنسان:8-9]، ففي هاتين الآيتين دليل على أن إطعام الأسير قربة يتقرب بها المؤمن إلى ربه سبحانه وتعالى، ولهذا قال: (( نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ))[الإنسان:9].
وفيها: أن المؤمن يؤثر الأسير حتى على نفسه: (( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ))[الإنسان:8]، ومعنى هذا أنه لم يطعمه مما فضل من قوته، وإنما يطعمه من طيب طعامه مع حاجته إليه ومحبته له، ولذلك كان منع الطعام عن الأسير من الكبائر، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( عذبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض )
فلما كان الحبس مانعاً للمحبوس من التصرف في أمر معاشه وكسبه وجب على حابسه أن يقوم بحقه، ولو كان ذلك في حق الحيوان، فما بالك بالإنسان الذي كرمه الله تبارك وتعالى: (( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ))[الإسراء:70]، ويكفي أن الله سبحانه قرن حق الأسير بالمسكين واليتيم: (( مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ))[الإنسان:8]، حثاً على القيام على إطعامه والإحسان إليه، وقد يكون هذا الإحسان سبباً في هدايته، كما كان الأمر في شأن ثمامة رضي الله عنه.
3- حقه في الكسوة والثياب المناسبة التي تليق به وتجدر بمثله، وقد روى البخاري في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه، قال: ( لما كان يوم بدر أتي بأسارى وأتي بـالعباس ، ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي صلى الله عليه وسلم له قميصاً، فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه ) ، فالإسلام يضمن للأسير حق الكسوة والثياب المناسبة.
4- المأوى والسكن المناسب أياً كان، فقد يسكن في المسجد أو يسكن في سجن خاص ويكون ملائماً، أو حتى في بيوت بعض المؤمنين، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن هناك دار خاصة للأسرى ولا للسجن، ولهذا ربما سجن الأسير في المسجد، وربما وزع الأسرى على المسلمين في بيوتهم، إلى أن ينظر في شأنهم، وقد روى البيهقي في سننه (9/89) عن ذكوان عن عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها بأسير وعندها نسوة، فلهينها عنه فذهب الأسير، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا عائشة : أين الأسير؟ قالت: نسوة كن عندي فلهينني عنه، فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قطع الله يدك وخرج فأرسل في أثره فجيء به، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وإذا عائشة رضي الله عنها قد أخرجت يدها، فقال مالك؟ قالت: يا رسول الله! إنك دعوت علي بقطع يدي وإني معلقة يدي أنتظر من يقطعها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجننت؟ ثم رفع يديه وقال: اللهم من كنت دعوت عليه فاجعله له كفارةً وطهورًا )، قال الذهبي عن هذا الحديث: إسناده جيد .
وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (5/191) أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرق أسرى بدر على أصحابه.
وروى الإمام أحمد (2216) عن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ناساً من الأسرى الذين كانوا يتقنون القراءة والكتابة يعلمون أولاد الأنصار القراءة والكتابة، وجعل ذلك فداءهم وفكاكهم )، ومن المعلوم أن الأسير كي يعلم ويكتب لابد أن يكون طليقاً غير مقيد ولا مربوط، وقادراً على الذهاب والإياب، والوثاق إنما جعل لمنعه من الهرب، فإذا أمكن منعه بلا وثاق فلا حاجة إليه.
5- لا يفرق في الأسرى بين الوالدة وولدها أو بين الولد ووالده وبين الأخ وأخيه، وهذا ورد في حكم السبي، والسبي نوع من الأسر، وإن كان يطلق في الغالب على النساء والذرية، والتفريق بينهم وبين الأسرى إنما هو أمر اصطلاحي، وإلا فالكل أسرى، وقد جاء في حديث رواه الإمام أحمد (23499) وأهل السنن الترمذي (1283) و ابن ماجه (2250) من حديث أبي موسى و أبو داود (2696) من حديث علي رضي الله عنه عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من فرق بين والدة وولدها -يعني من السبي- فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة )، قال الترمذي : وهذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.. وغيرهم، كرهوا التفريق في السبي بين الوالدة وولدها، وبين الولد والوالد وبين الإخوة.
وأعجب من ذلك أن الدارمي (2479) روى هذا الحديث، وذكر في أوله: ( أن أبا أيوب رضي الله عنه كان في جيش ففرق بين الصبيان وبين أمهاتهم من الأسرى، فرآهم يبكون فجعل يرد الصبي إلى أمه ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ).
فانظر كيف بلغ الرفق والرحمة والشفقة والعدل بالمسلمين في الجمع بين الإخوة، وبين الآباء والأمهات والأولاد من الأسرى!!
6- عدم تعريضهم للتعذيب بغير حق، فلا يمكن أن نعذبهم مثلاً لأنهم قاتلونا، ولم ينقل في الشرع أنه أمر بتعذيبهم، ولا أنه حصل لهم تعذيب خلال عصور العزة الإسلامية؛ وذلك لأنه إذا كان المسلم مأمورًا بإكرامهم وإطعامهم وسقيهم والجمع بينهم فإن تعذيبهم يتنافى مع هذا الأمر، اللهم إلا أن تكون هناك حالات خاصة يتطلب الأمر فيها أن يمس بشيء من العذاب قليل لا يؤثر عليه، من أجل كشف أمور يعلم أنها موجودة عنده، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على الأرض والزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها، ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء ويخرجون منها، واشترط عليهم ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئاً، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكاً فيه مال وحلي لـحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعم حيي ما فعل مسك حي الذي جاء به من النضير فقال: أذهبته النفقات والحروب فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير فمسه بعذاب، وقد كان حيي قبل ذلك دخل خربة، فقال: قد رأيت حيي يطوف في خربة هاهنا، فذهبوا وطافوا فوجدوا المسك في الخربة )، الحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى (9/137) وقال ابن حجر في الفتح (7/479) إسناد رجال ثقات.
وأما قتل النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأسرى؛ فذلك لأن لهم سوابق وجرائم في حق المسلمين استوجبت قتلهم، ولهذا جاء في التاج والإكليل أنه قيل لـمالك : [ أيعذب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو؟! فقال: ما سمعت بذلك ].
وكان جماعة من السلف يكرهون قتل الأسرى، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل من الأسرى خلال حروبه الطويلة إلا عددًا قليلاً كانوا من أكابر عتاة المشركين وقادة الحرب الضروس الفاجرة ضد الإسلام وأهله، ويمكن أن نطلق عليهم حسب التعبير المعروف اليوم: مجرمي حرب.
وقد روى مسلم في صحيحه (1779): ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه مقدم أبي سفيان ومن معه شاور أصحابه فيما يصنع، وفي القصة أنهم ظفروا بغلام، فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه، فيقول: ما لي علم بـأبي سفيان ، ولكن هذا أبو جهل و عتبة و شيبة و أمية بن خلف، فإذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم أنا أخبركم هذا أبو سفيان ، فإذا تركوه فسألوه فقال: ما لي بـأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل و عتبة و شيبة و أمية بن خلف في الناس، فإذا قال هذا أيضاً ضربوه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف، قال: والذي نفسي بيده لتضربوه إذا صدقكم وتتركوه إذا كذبكم).
فهذا دليل على أنه ينبغي ألا يكون هناك عدوان على الأسرى، ولا تعذيب لهم بغير حق، وإذا كانت هذه الأشياء كلها مطلوبة، فالإسلام يوجب أن يكون لهم العلاج المناسب والمعاملة الحسنة، وألا يظلم أحد منهم في نفس أو أهل أو مال.