خامساً: المفطرات

وهي الأعمال التي تفسد الصوم، وهي الأكل والشرب والجماع، إذا تعمد الصائم شيئًا منها، من غير إكراه ولا نسيان، فإنه يفسد صومه بنص القرآن، وإجماع أهل العلم، قال الله تعالى: (( عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ))[البقرة:187].
فـ من أفطر بالأكل أو الشرب عمدًا فعليه التوبة والاستغفار، وأن يقضي يومًا مكان يومه الذي أفسد صومه فيه، وليس عليه كفارة، هذا هو الراجح من أقوال أهل العلم.
وأما من أفطر بالجماع فإن عليه أربعة أمور:
الأول: أن يمسك بقية اليوم؛ لأن هذا فطر غير مشروع، فليس له أن يأكل أو يشرب حتى تغرب الشمس.
الثاني: أن عليه التوبة؛ لأنه ارتكب إثمًا عظيمًا يوجب التوبة والإنابة.
الثالث: أن يقضي اليوم الذي جامع فيه.
الرابع: أن عليه الكفارة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، فإن لم يجد سقطت عنه الكفارة.
ومن المفطرات: القيء عمدًا، وهو أن يتعمد المرء إفراغ ما في معدته، إما بإدخال إصبعه في فمه، أو بشم شيء يهيج المعدة.. أو بغير ذلك. فإذا بدر من الصائم هذا العمل؛ فقد فسد صومه، وعليه قضاء يومه ذلك، وأما من غلبه القيء بدون إرادة منه أو تعمد، فصومه صحيح ولا قضاء عليه.
وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من ذرعه -- القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض ) رواه أبو داود و الترمذي ، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه: حقيقة الصيام أنه حديث صحيح وضعفه جماعة.
ومن المفطرات: الحيض والنفاس، فإن المرأة إذا حاضت أو نفست؛ فإنه لا يصح منها الصوم بالإجماع، فقد قالت عائشة رضي الله عنها: ( كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة .
هذه هي المفطرات المشهورة، ويدخل فيها ما كان في معنى أحدها، فالإبر المغذية التي يستغني بها الإنسان عن الأكل والشرب تفطر الصائم؛ لأنها في معنى الأكل والشرب، وهذا قول الأكثرين.
والاستمناء يفطر؛ لأنه في معنى الجماع عند الأكثرين، وهكذا كل ما كان في معنى شيء من المفطرات.
وثمة رخص عديدة امتن الله بها على الصائمين؛ رفعًا للحرج والمشقة عن العباد، منها:
أولاً: من أكل أو شرب ناسيًا، وهو صائم؛ فصومه صحيح، ولا قضاء عليه، وهذا هو الراجح عند جمهور العلماء، خلافًا لـمالك رحمه الله، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه .
لكن يجب عليه إذا تذكر وفي فمه شيء أن يلفظه، وكذلك يجب على الذي يراه وهو يأكل أن يذكره أنه في نهار رمضان؛ لأن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى.
ثانيًا: أن من أصبح جنبًا من جماع أو احتلام في الليل؛ فإنه يصوم ولا شيء عليه، ويغتسل بعد ذلك، أي: أنه يصح أن ينوي الصيام وهو جنب، خلافًا لما أفتى به أبو هريرة رضي الله عنه في أول الأمر، فإن هذا كان أول الأمر ثم نسخ.
ثالثًا: السواك بعد الزوال: فإنه مرخص فيه للصائم بعد الزوال، بل هو مستحب في المواضع التي يستحب فيها في سائر الأحوال، وسيأتي حديث مستقل عن هذا الأمر.
رابعًا: المضمضة والاستنشاق، ينبغي ألا يبالغ فيهما؛ خشية أن يصل شيء من الماء إلى حلقه؛ فيفطر بذلك، ففي حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا .
وفي بعض الروايات: ( وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا ) .
خامسًا: جواز الفطر في نهار رمضان للمسافر، وهو أفضل من الصوم إن كان الصوم يشق عليه، حتى لو كان سفره في الطائرة، أو في سيارة مريحة.. أو نحو ذلك.
اللهم تقبل منا صومنا وقيامنا إنك أنت السميع العليم.
اللهم اغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم اهدنا إلى سواء السبيل.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم احشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.
اللهم وفقنا لصيام رمضان وقيامه.
اللهم ارزقنا فيه الخير.