الرئيسة المقالات1423 هـمرجعية الحرية (2-2)بين المساواة والعدالة

بين المساواة والعدالة

الحرية والمساواة وجهان لعملة واحدة، والإسلام سوى بين الناس في أصل خلقتهم وتكوينهم: (( إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ))[الحجرات:13]، (( اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ))[النساء:1]، وكذلك في الحساب: (( أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ))[آل عمران:195].
وبعض الناس يفضل تعبير العدالة على تعبير المساواة؛ لأن ثمة فروقاً بين الناس لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها، ومن ذلك الفروق بين الذكر والأنثى؛ فهناك فروق عضوية بيولوجية، وهناك فروق نفسية سيكولوجية، فجسم المرأة غير جسم الرجل، ونفسية المرأة غير نفسية الرجل، وقد قرأت اليوم ربما بالصدفة خبرين صدرا منذ مدة:
الخبر الأول: يتحدث عن أن الفرق بين الرجل والمرأة أعمق مما كان يعتقد ، والمصدر وكالة إسيوشيتبرس، أن علماء أمريكيين قالوا: إن الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة أعمق مما كان يعتقد في السابق، وأضافوا أن دراستهم أثبتت ضرورة أخذ الجنس باعتباره متغيراً أساسياً عند إجراء البحوث الطبية، وجاء في تقرير أعده الباحثون في المعهد الطبي الأمريكي؛ أن الاختلافات بين الذكور والإناث تصل لمستوى الخلية البشرية؛ وقال العلماء الأمريكيون في المعهد الطبي: إن الجنس يعد من المتغيرات البشرية الأساسية المهمة، التي يتوجب أخذها بعين الاعتبار عند تصميم وتحليل الدراسات في جميع المناطق، وعلى جميع المستويات الطبية والصحية المتعلقة بالبحوث، وكان الباحثون الطبيون في الماضي يفترضون أن الاختلافات بين الرجال والنساء تقتصر على أجهزتهم التناسلية فحسب، وفيما عدا ذلك لا يوجد أي تباينات في استجابتهم للعقاقير الطبية المختلفة، وقال هؤلاء في تقرير أعدوه تحت اسم: استكشاف الإسهامات البيولوجية في الصحة البشرية: هل للجنس أي تأثير؟
إن هيئة العلماء ترى أن الاختلافات بين الجنسين تصل لمستوى الخلية البشرية، إذ يختلف الرجال عن النساء في أنماط مرضهم، وفي دورات حياتهم، ويرى التقرير أن هناك اختلافاً في تعرض كلا الجنسين للأمراض؛ كما أن أفراد الجنسين يعتمدون على أساليب مختلفة لحفظ الطاقة، وتمتد الاختلافات إلى عمليات الأيض، أو ما يسمى بالتمثيل الغذائي المتصل ببناء البروتوبلازما، ويعتقد العلماء أن هذه الاختلافات من شأنها أن تحدث فرقاً في استجابة الذكور والإناث للعقاقير المختلفة، بل يدعو الباحثون إلى إجراء مزيد من البحوث؛ لمعرفة كيفية استجابة الجنسين للأمراض والعقاقير، وإلى تصميم برامج بحثية، تأخذ هذه الفروق بعين الاعتبار، وقالت الهيئة: يجب أن تصمم الدراسات بحيث يمكن تحليل نتائجها وفقاً للجنس، ويجب ذكر جنس الأشخاص الذين تجرى عليهم التجارب والبحوث والدراسات، هذا بالإضافة إلى وجوب احتواء البحوث والدراسات العلمية على معلومات تتعلق بحالة الدورة الشهرية للنساء، اللواتي تشملهن البحوث والدراسات.
الخبر الثاني: عن دراسة عسكرية بريطانية أثبتت أن عدد المصابات من المجندات البريطانيات في الجيش أثناء التدريب زادت أكثر من الضعف، بعد تطبيق سياسة المساواة بين الجنسين في التدريب، وتوصلوا إلى أن المجندات يتعرضن لمخاطر كبيرة بعد تطبيق السياسة الأخيرة، وذلك بعد أن عقدوا مقارنة بين الأسلوب المتبع قبل تطبيق النظام بالمساواة وبعده، وذكرت الدراسة التي نشرتها مجلة الجمعية الطبية الملكية في بريطانيا ؛ أنه بعد تطبيق النظام بقيت نسبة التسريح الطبي بسبب إصابات مثل: الكسور، وآلام الظهر، والتهابات الأوتار بين الرجال أقل من (1.5%)، بينما ارتفعت عند النساء إلى نسبة (11%) وزيادة، بعد أن كانت (4.5%) فقط، وقال المقدم طبيب بيمين ، الذي أشرف على الدراسة: إن الفروق في حجم عظم النساء وكتلة العضل، يجعل الضغط أكبر على الهيكل العظمي للمرأة بنسبة تتراوح بين (33 - 39%) عما هو عند الرجال أثناء التدريب، ودرس الباحثون حالات إنهاء الخدمة لأسباب طبية بين (5690) رجلاً، وبين (790) امرأة تم تجنيدهم، وبناء عليه خرجوا بهذه النتيجة.
فلا يمكن تصور مساواة مطلقة بين الرجل والمرأة، لكن لا يعني هذا أن الإسلام يقوم بالتمييز لصالح الرجل ضد المرأة، إن ثمة أشياء يميز الإسلام فيها لصالح الرجل، وثمة أشياء أخرى يميز الإسلام فيها لصالح المرأة، وقسم ثالث أبرم الإسلام فيه عقد المساواة التامة بين الجنسين، وعلى سبيل المثال فيما يتعلق بالحقوق: حقوق الأبوين؛ فالإسلام أوصى بالأم ثلاثاً، بينما أوصى بالأب مرة واحدة: ( أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك )، فهذا تمييز لصالح المرأة، وقدم الله الإناث في غير موضع، (( يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ))[الشورى:49]، وقال: (( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ))[البقرة:187]، وهناك مساواة في حالات كثيرة، مثل ما نجد في الميراث؛ أن ثمة حالات ترث المرأة فيها مثل الرجل، فالإخوة لأم ذكرهم وأنثاهم سواء، وهناك حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل باعتبار نوع القرابة مع المتوفى، وهكذا قال سبحانه: (( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ))[البقرة:228]، وفي الحديث: ( النساء شقائق الرجال ).
والإسلام وضع هذا ضمن إطار عام وتنظيم عام، لا يمكن أخذ هذه الجزئية إلا بالنظر إلى جوانب أخرى في النظام الإسلامي فيما يتعلق بـ:
- من الذي يدفع المهر؟
- من هو الذي يتولى الأنفاق؟
- ما هي مسئوليات الرجل؟
- ما هي مسئوليات المرأة؟
ويبقى أن الإسلام جعل للرجال على النساء درجة، وأعطى القوامة للرجل زوجاً كان أو أباً، وفضل جنس الرجال على جنس النساء، وهذه شريعة واضحة لا لبس فيها، ولا يمنعنا من تقريرها سوء استخدام بعض الرجال لها، حينما نتكلم عن جانب النقص في المرأة: ( ناقصات عقل ودين )، نذكر أن هذا ليس سباباً أو سخرية أو تنقصاً أو استهزاء بالمرأة، كما يفعله بعض الرجال اليوم، حينما يستدلون بهذا الحديث في مجال المغالبة والتحقير، بل كان في مقام الثناء والإطراء؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول للنساء: ( ما رأيت من ناقصات عقل ودين؛ أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن )، فالمقام مقام تقرير قدرة المرأة على التأثير على الرجل، وسلب عقله، وشدة الجاذبية له، وهذا جزء من الاختلاف العضوي والنفسي الذي يميز المرأة بحسب المهمات المنوطة بها.
ومع أنه قال: ( ناقصات عقل ودين )، فقد حدد النقص لئلا تذهب فيه أهواء الرجل: بأن المرأة إذا حاضت لم تصل ولم تصم، وهذا أمر مسلّم، وكذلك هي لا تأثم على هذا ولا تؤاخذ به، بل لو احتسبت ذلك لأجرت عليه، وأيضاً أن شهادتها بشهادة رجلين في القضايا، التي لا تدري فيها كما يدري الرجل؛ بينما القضايا التي تخصها كالشهادة مثلاً، على الرضاع، أو الشهادة على البكارة تقبل فيه شهادة المرأة بما لا تقبل فيها شهادة الرجل، وتقبل فيه شهادة امرأة واحدة، زد على ذلك، أن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على كمال بعض النساء: (كمل من النساء أربع، وذكر مريم ، و آسية امرأة فرعون، و فاطمة ، و خديجة )، فأشار إلى كمالهن، ومن المعلوم أن كمالهن لا يعني أن الواحدة منهن لم تكن تحيض مثلاً، لكن لها كمال ووفور في عقلها وفي شخصيتها وفي نظرها وفي سداد رأيها.. وفي غير ذلك، فالنقص المثبت ليس نقصاً من كل وجه، بل نقص بمعيار خاص.
وكما أن المساواة أو العدالة نظام شرعي، فهي نظام قدري؛ فإننا نجد في أصل الحياة والوجود أن العمر الذي يعيشه الإنسان، مرتبط بالكثرة العددية للبشر؛ فيوم كان الناس قليلاً عديدهم، كانوا يعيشون سنين طويلة ألف سنة وأكثر من ذلك، ولما زادت نسبة وجود البشر على ظهر الأرض قلّت أعمارهم، وهذا يرجع إلى حكمة إلهية ربانية في التوازن، ولو ظل الناس أحياء كلهم على هذا لحالوا دون مجيء الأجيال الجديدة، فـ الذي يموت إنما يدع الفرصة للأجيال التي تأتي بعده، يموت قوم ليخلفهم آخرون.