الرئيسة المقالات1424 هـما بعد العراق 2-3ثالثاً: ما بعد الحرب

ثالثاً: ما بعد الحرب

لقد ذهبت الحرب بالكثير الكثير، لقد ذهبت بالشعارات الجوفاء التي طالما تحدث عنها هؤلاء الناس، والتي تتكلم عن الحريات وعن القوانين الدولية وعن حقوق الإنسان، وعن العدالة والقيم الأخلاقية، فإذا بهذه الحرب تكشف عن الوجه الأسود الذي لا يمكن أن يستر أو يخفى!
أين الشعارات أين المالئون بها            الدنيا لكم زوّروا التاريخ والكتبا
فلا خيول بني حمدان راكضة            زهواً ولا المتنبي مالئ حلبا
وقبر خالد في حمص تلامسه            فيرجف القبر من زوّاره غضبا
يا ابن الوليد ألا سيف تؤجره فإن أسيافنا قد أصبحت خشبا
لقد انكشف الزور وبانت هذه الشعارات التي طالما ضللت كثيراً من شباب الأمة والعالم، فظنوا أن هذه الحضارة استثناء، وأنها لون ونمط من الحرية للبشر كلهم، وأنها تجردت عن كل المعاني الرديئة، فإذا بها تبين في أكلح وأقبح صورها: عدوان على الآمنين، استهداف للأبرياء، تحد للقوانين، محاولة لمصادرة الحقيقة والقضاء عليها.

ولهذا انكشف أن الحرية الإعلامية المدعاة، أو الحرية السياسية ليست إلا نوعاً من التسلط، وربما تكون أحياناً بقفازات ناعمة، ومظاهر جميلة، وعبارات معسولة تخفي وراءها ما تخفي.
الكل يعاني نوعاً من التسلط، ربما في كثير من دول العالم الإسلامي تواجه الشعوب نوعاً من التسلط الواضح المكشوف، سواءٌ من تسلط الإعلام أو مصادرة الرأي والحرية، لكن شعب الولايات المتحدة الأمريكية ربما يعاني نوعاً آخر من التسلط؛ بمحاولة غسيل عقول الناس، وحجب الحقيقة عنهم، والتأثير على إرادتهم بحيث يتقبلون هذه الأشياء بقناعة، فأنت تعمل ما تريد ما دمت تعمل ما نريد.
ذهبت هذه الحرب بالقوانين الدولية والمنظمات، التي كان الحديث يتم حولها، وتبين أن ما يتحدثون عنه من استقلال الدول ما هو إلا هراء، فهذه دول مستقلة يتم العدوان عليها وغزوها لأغراض مختلفة، ويعتبر الذين يدافعون أو يقاومون خارجين عن القانون الدولي، مخالفين للأنظمة، يتم اعتقالهم وأسرهم وقتلهم ومحاكمتهم وضربهم وتعذيبهم.
وقوانين الحرب التي تقتضي عدم العدوان على الأبرياء وعلى المؤسسات الإعلامية، ذهبت في دوامة هذه الحرب العمياء الظالمة.
أدعياء الحرية في الولايات المتحدة الأمريكية يهاجمون الإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام، ويتهمونه بالدموية والعنف والإرهاب، بينما نحن نتحدى أن يكون عدد القتلى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين.. وغيرهم، يقاوم عدد القتلى في اليوم الواحد في هذه الحرب الظالمة، فضلاً عما قبلها من الحروب وما قد يكون بعدها، ذهبت هذه الحرب بالحياد والاستقلال السياسي والثقافي والعسكري، فـالولايات المتحدة الأمريكية تحاول أن تفرض نفسها كسلطة عالمية بلا منازع ولا مقاوم، ومن حقها الإجهاز على كل محاولات الاستقلال والتميز وتحصيل القوة.
ذهبت هذه الحرب بالنظام العربي، الذي تبين من خلاله أنه نظام مكشوف عاجز، غير قادر على المقاومة ولا الاستقلال بالقرار.
ذهبت هذه الحرب ربما بالإدارة الأمريكية التي انغمست في رمال متحركة، لا تعرف إلى أين تودي بها؟
ولعل الانتخابات القادمة تصدق هذا الظن أو تكذبه، خصوصاً إذا لم تفتعل الإدارة مواجهة جديدة، وتشغل الشارع بها!
فهل جاءت هذه الحرب لهم بشيء؟ نعم جاءت بمناطق نفوذ، ونفط وقوة كبيرة وهيبة في أماكن شتى من العالم، ففيما يتعلق بالنفط مثلاً، فإن الشركات الأمريكية سوف تظفر بحصة الأسد بعلاقتها مع أي إدارة عراقية، وبدورها الأساس في الحرب، وسيكون لذلك فائدة إضافية، وهي تدمير ما يسمى بمنظمة: (أوبك)، أو تحجيمها عن أن تقوم بأي موقف فيه إضرار بالمصالح الأمريكية، يقول المستشار الاقتصادي للرئيس الأمريكي: إن نجاح الحملة العسكرية على العراق سوف يصب في صالح الأعمال والشركات الأمريكية.
إن معنى تغيير النظام في العراق هو ضخ ما بين ثلاثة إلى خمسة ملايين برميل نفط يومياً بشكل إضافي إلى سوق النفط، وربما بعد خمس سنوات يضخ عشرة ملايين برميل يومياً من النفط العراقي إلى أسواق العالم، وسوف تكون حصة الأسد من ذلك للشركات الأجنبية.