الرئيسة المقالات1424 هـلا تقلقالمخاوف والهموم

المخاوف والهموم

ذكر ابن حزم رحمه الله أنه نظر إلى الناس: مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، عربهم وعجمهم.
يقول: فرأيتهم قد أطبقوا واتفقوا على أمر واحد، وهو أنهم جميعاً يتفقون على مطلب يتعلق بمدافعة الهموم وإزالتها عن نفوسهم.
ثم قال: ثم بحثت عن سر ذلك وأعظم ما يتحقق به دفع الهم والغم، فلم أجد أعظم من عبادة الله تعالى ومحبته والانطراح بين يديه؛ فعلمت بذلك أن هدي الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام قد احتوى على طرد الهموم في الدنيا وفي الآخرة.
المخاوف في الدنيا كثيرة، ولكن الأمان هو في التوكل على الله سبحانه، والرضا بقضائه وقدره.
يقول الله سبحانه: (( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ))[الطلاق:2-3].
أحياناً الخوف من وقوع الكارثة كارثة، والخوف من المرض مرض.
والخوف من الشيء أحياناً أشد منه بعد أن يقع؛ كما قال المتنبي :
كل ما لم يكن من الصعب            في الأنفس سهل فيها إذا هو كانا
فلا تحزن ولا تخف!
يقول الله سبحانه وتعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ))[فصلت:30].
أي: مما أمامكم وما أنتم مقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم وراءكم من أهل أو ولد، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون.
دع المقادير تجري في أعنتها            ولا تبيتن إلا خالي البال
ما بين غمضة عين وانتباهتها            يغير الله من حال إلى حال
أنت لا تستطيع أن تمنع طيور الهم أن تحلق فوق رأسك؛ لكنك تستطيع أن تمنعها من أن تعشش داخل رأسك.
قد عشت في الدهر أحوالاً على طرق            شتى وجربت منها اللين والفظعا
كلاً بلوت فلا النعماء تبطرني            ولا تخشعت من لأوائها جزعا
لا يملأ الأمر نفسي قبل موقعه            ولا أضيق به ذرعاً إذا وقعا
قال ابن الجوزي رحمه الله: ضاق بي أمر أوجب لي هماً وغماً لازماً دائماً، وقد أخذت أبالغ وأفكر كيف أتخلص من هذا الأمر بكل حيلة وبكل وجه.
قال: فما رأيت طريقاً للخلاص قط.
ثم عرضت لي هذه الآية: (( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ))[الطلاق:2].
قال: فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل هم وغم.
قال: فما هو إلا أن هممت بتحقيق التقوى حتى وجدت المخرج.
فـ لا ينبغي لمخلوق أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة الله عز وجل وامتثال أمره، فإن ذلك سبب لفتح كل مرتجى ، ثم ينبغي للمتقي أن يعلم أن الله تعالى كافيه.