إخراج القيمة

الجمهور على أنه لا يجزئ، وهذا مذهب الأئمة: مالك و الشافعي و أحمد، ولما سئل الإمام أحمد عن إخراج المال؟ قال: [ أخاف أن لا يجزئه، فقالوا: إن الخليفة عمر بن عبد العزيز يرى إخراج المال؟ فقال: اتباع السنة أولى، نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: قال فلان ].
وأبو حنيفة يذهب إلى جواز إخراج القيمة في صدقة الفطر.
وهذا القول ثابت عن عمر بن عبد العزيز ، وجاء عن الحسن البصري أنه قال: [ لا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر ] وقال أبو إسحاق السبيعي : [ أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام ] .
وهذا مذهب الثوري و عطاء ؛ فإن عطاء كان يعطي في صدقة الفطر الورق، أي: الفضة، وهؤلاء من سادة التابعين.
وممن قوى هذا الأمر ونصره من المتأخرين الشيخ مصطفى الزرقا ، وله بحث مطول نصر فيه القول بجواز إخراج المال في صدقة الفطر، ومن الأوجه التي يتعزز بها هذا القول ما يلي:
الوجه الأول: أن كثيراً من الفقهاء يرون أنه يخرج من قوت البلد غير المنصوص في حديث أبي سعيد وحديث ابن عمر رضي الله عنهما، فإذا تغير القوت جاز أن يخرج من القوت الموجود كالأرز أو القمح أو أي قوت ينتشر في بلد من البلدان، وإذا جاز إخراجها من قوت البلد حتى ولو لم يكن منصوصاً ولا وارداً في السنة، فمن باب أولى أن تخرج من الدراهم؛ لأنها قد تكون أفضل من القوت لكثير من الناس، وهذا منهم مصير إلى القيمة والتقييم؛ لأنهم قوموا ما كانت قوتاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجوا بدله.
الوجه الثاني: أن الأمر في هذه الأشياء ليس تعبدياً محضاً لا يجوز الخروج عنه إلى غيره، وإنما هو أمر مصلحي واضح، أي: أن المقصود من صدقة الفطر منفعة المسلمين ومنفعة الآخذ والباذل أيضاً، ولا شك أن منفعة الآخذ أولى، وإخراج القيمة خصوصاً إذا طابت بها نفس المعطي ونفس الآخذ وأنه أحب إليهما معاً يحقق مقصد الشرع في التوسعة على الناس، وفي تطهيرهم، وفيما فيه تحقيق مصالحهم، وليس فيه ما يعارض نصاً ظاهراً.
الوجه الثالث: أن الفقهاء اختلفوا في إخراج زكاة المال من العروض أو إخراجها من المال، وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يجوز إخراج زكاة العروض من نفس المال.
الثاني: أنه يخرجها نقداً ولا بد.
الثالث: أنه يجب عليه إخراجها من المال.
فالقول الأول: فيه تخيير بين النقد وبين إخراجها من نفس المال، والأفضل هو الأحظ للفقراء، فلو علم أن الفقير سوف يشتري بهذا المال عروضاً، كان الأفضل أن يعطيه عروضاً حتى يوفر عليه القيمة ويوفر عليه التعب، وإن علم أنه إن أعطى الفقير عروضاً فإنه سوف يبيعها، وربما ينقص قيمتها عند بيعها إلى نصف الثمن أو ثلثه، فيكون الأولى أن يعطيه مالاً في هذه الحالة، وكذلك إذا علم أن الفقير لا يحسن التصرف، فقد يكون عنده سفه أو حمق، أو قد يكون عنده معصية، فيستخدم المال في غير ما أحله الله، فيكون الأفضل أن يعطيه عروضاً حتى يستخدمها في نفسه وأهله، وقد رجح ابن تيمية في هذا أنه إذا كان ثمة حاجة ومصلحة فإنه يجوز إخراج المال عن العروض.
والقول الثالث: أنه مخير بين إخراج المال وبين إخراج العروض، والأفضل هو الأحظ للفقراء، فإذا كان هذا في زكاة المال وهي ركن من أركان الإسلام، وفرض بالاتفاق، ووجوبها أظهر وأمرها آكد؛ فأن يكون هذا سائغاً في زكاة الفطر من باب أولى.
وإن كان الذين قالوا بوجوب إخراج الطعام التمسوا بعض الفوائد التي تناسب بعض المجتمعات، فقالوا: لأن هذا فيه إحياء للسنة بشراء الطعام وبيعه وكيله بدلاً من الورق النقدي أو الفلوس التي قد يدسها في يد الفقير ولا يعلم به أحد، ولا يكون لهذه الصدقة نوع من الظهور والشهرة في المجتمع.
لكن هناك حالات يجب أن تقدر بقدرها، ففي بعض البيئات هناك نوع من التلاعب الواضح، فعلى سبيل المثال: الذين يبيعون صدقة الفطر حول الحرم في مكة يبيعونها ويأخذون المال، ثم يأخذونه باعتبار أنهم فقراء ثم يبيعونها على الآخر وهكذا، فهذا من حجج الذين قالوا بوجوب النظر في الموضوع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإنما يؤخذ من هذا عدم التشديد في المسألة، وأن تنتظمها بحبوحة الشريعة في التوسعة.