حالات الاستغفار

أولاً: حال التلبس بالعبادة أو فراغه منها، فيقبل العبد على الاستغفار، يدفع به عن نفسه تبعة التقصير، أو معرة الاغترار.
وفي آخر ما أنزل على رسوله: (( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ))[النصر:3].
وفي الصحيح أنه ما صلى صلاة بعدما نزلت عليه هذه السورة إلا قال فيها: ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ) وذلك في نهاية أمره صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا فهم منه الصحابة أنه أجل رسول الله أعلمه الله إياه، فأمره سبحانه بالاستغفار في نهاية أحواله وآخر أمره على ما كان عليه، وآخر ما سمع من كلامه عند قدومه على ربه: ( اللهم اغفر لي وألحقني بالرفيق الأعلى ) وكان يختم كل عمل صالح بالاستغفار: كالصوم والصلاة والحج والجهاد، فإنه كان إذا فرغ منه وأشرف على المدينة قال: ( آيبون تائبون لربنا حامدون ) وشرع أن يختم المجلس بالاستغفار، وإن كان مجلس خير وطاعة.
وشرع أن يختم العبد عمل يومه بالاستغفار، فمما يقول عند النوم كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة : ( باسمك ربي، وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها ).
ثانياً: بعد المعصية؛ لقوله تعالى: (( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ))[آل عمران:135].
وفي الحديث: ( ما من عبد يذنب ذنباً فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ). ثم قرأ هذه الآية: (( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ))[آل عمران:135] الآية .
ثالثاً: حالة الغفلة، وكلنا خطاءون وكلنا غافلون، وما أكثر الغافلين الشاردين عن ربهم، و من تأمل هدي سيد البشر وجده لا يفتر عن الاستغفار ، وفي حديث الأغر المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ) .
وقوله: (ليغان) من الغين، وهو ما يتغشى القلب من الفترات والغفلات عن الذكر.
و الاستغفار التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم الإصرار كما مدح الله تعالى أهله، ووعدهم بالمغفرة.
قال أحد السلف: [ من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته فهو كاذب في استغفاره ].
وفي ذلك يقول بعضهم:
استغفر الله من استغفر الله            من لفظة بدرت خالفت معناها
وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد            سددت بالذنب عند الله مجراها
فأفضل الاستغفار: ما قرن به ترك الإصرار، وهو حينئذ يؤمل توبة نصوحاً.
و إن قال بلسانه: أستغفر الله، وهو غير مقلع بقلبه فهو داع لله بالمغفرة، كما يقول: اللهم اغفر لي. فقد يرجى له الإجابة.
و أفضل أنواع الاستغفار: أن يبدأ العبد بالثناء على ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل الله المغفرة كما في حديث شداد بن أوس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) .
ومن أنواع الاستغفار: أن يقول العبد ما جاء في الحديث: ( من قال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف ) .
وعن ابن عمر قال: ( كان يعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور ) .
ومنه: أستغفر الله، ومنه: رب اغفر لي.