الإسلام والقتال

وفي موضوع القتال يمكن أن نرسم بعض الحقائق المهمة في التصور الإسلامي، ومن بينها ما سبق أن الجهاد وإن كان أوسع من مفهوم القتال؛ فإنه يبقى من الوضوح أن نقول: إن القتال في الإسلام فريضة مشروعة،(( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ))[البقرة:216]، وذلك حين يكون خياراً لمعالجة المشكلات، أو مواجهة الظلم والعدوان، والدفاع عن الحريات والحقوق الخاصة ، وحين نؤكد اعتراف الإسلام بالقتال والدفاع والحرب؛ فهذا جزء من منظومة القيم في الإسلام كما نفهمها، ويمكن لكل منصف أن يدرك معقولية مثل هذا القرار في الإسلام.
لقد دخل المسلمون في تاريخهم الطويل معارك وحروباً تحت هذا المبدأ.
ومع أننا ندرك تماماً أنه ليس ضرورياً أن ما يصنعه مجموعة من المسلمين فهو إملاء إسلامي شرعي في نظر الآخرين، وأن التاريخ الإسلامي ليس دائماً سجلاً للفضائل المحضة، ولكن دعونا نتذكر:
كم قتل المسلمون من المدنيين في القرن المنصرم؟!
وكم قتلت الشيوعية؟!
وكم قتلت المجموعات والدول الغربية؟!
ومن الذي أشعل أكبر حربين عالميتين خلال نصف قرن، وجر إليها القريب والبعيد؟!
إن العالم يتذكر بمرارة ضرب المدنيين بالأسلحة النووية في هيروشيما و ناجازاكي، ويتذكر المجازر الدموية في البوسنة والهرسك، والتباطؤ الدولي عن إيقاف نزيف الدماء هناك، ولقد قتل في إندونيسيا -عام (1965م) في إثر انقلاب مدعوم من الولايات المتحدة - مئات الألوف، غالبهم من الفلاحين، ولم تخف الصحافة الوطنية في الولايات المتحدة اغتباطها بما يحدث ، كما قتل مئات الآلاف في العراق من الأطفال في ظل الحصار الدولي منذ عام (1991م) .
ويشاهد العالم بعينيه ما تفعله القوة الغاشمة الإسرائيلية -المدعومة من الولايات المتحدة - بالعزل في فلسطين الذين تحتل ديارهم، وتعامل حتى مواطنيها منهم معاملة عنصرية سافرة.
وإذا كان هؤلاء -الذين رسموا في العصر الحديث مذابح جماعية- يشعرون بمبررات في داخلهم؛ فهذا يدل على عمق المشكلة الأخلاقية التي تواجه العالم.
إن الإسلام حين يدعو لاعتماد خيار القتال؛ فهذا يأتي ضمن نظام يتسم بالدقة والعدالة، وإعطاء فرصة للسلام ، فهناك مجموعة من الشروط ترسم نظام القتال الذي يشرعه الإسلام للمسلمين، وهو هنا إحدى صور الجهاد، لكن من الواضح أنه ليس عدوانياً على أحد، بل يقوم لحماية الحقوق ونصر المستضعفين ومحاربة الظلم والتعسف، ونشر قيم العدل أمام رفض مجموعات الدكتاتورية الانفتاح على الآخرين، والسماح للفرد في المجتمع باختيار القيم الفاضلة.
وفي هذه الدائرة، يمكن أن نفهم صورة القتال في الإسلام، كنظام لنشر وحماية الحريات المدنية والحقوق، والمسلمون حين يشاركون في هذا القتال فإنهم يتمتعون بعلاقة روحية في داخلهم تجعلهم الأكثر كفاءة من الناحية المعنوية.
وإذا كان المثل يقول: إن الأخلاق تعرف حال القوة والقدرة -وهذا في نظرنا صحيح- فإن الإسلام حال قوته ونفوذه كان يرسم قيماً أخلاقية عالية، حتى مع الذين يضطر إلى محاربتهم .
وفي أمثلة سريعة: يرد أبو عبيدة إلى أهل حمص المال، الذي أخذه منهم مقابل الحماية؛ خشية ألا يقدر على حمايتهم، وهو يقوم بها في الوقت ذاته.
ويأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بتشكيل محكمة ميدانية، للنظر في دعوى أهل سمرقند، بعدم صحة إجراءات الحرب، فتأمر المحكمة الجيش الإسلامي بالانسحاب الفوري، وهكذا كان ينسحب الجيش وسط دهشة أهل المدينة وذهولهم.
وهذه الحرب العادلة محكومة وفق الشريعة الإسلامية بالنظام الأخلاقي الذي لا يسمح بالتجاوز، حتى نجد في وصية الخليفة الأول، الصديق رضي الله عنه لـيزيد: لا تقتل امرأة ولا صبياً ولا هرماً.
وكذلك كان عمر رضي الله عنه يوصي جيشه ويقول: لا تقتلوا امرأة ولا صبياً ولا شيخاً هماً، يعني كبيراً.
وكان أبو بكر يوصي بعدم قتل الرهبان في الصوامع.
وقال عمر: اتقوا الله في الفلاحين، الذين لا ينصبون لكم الحرب.
وهذا باب تطول قراءته، ويعرف في مواضعه من كتب الفقه الإسلامي.
لقد كان لفقدان المسئولية في تصنيف الإرهاب أثر في رفع روح التوتر ضد الولايات المتحدة، ليس بين المسلمين فحسب، بل حتى لدى شعوب أخرى في العالم...
قد يبدو للأقوياء أن من السهل والمناسب إسقاط المشكلات على الضعفاء، تحت مجموعة من الذرائع، وهذا ما نقرؤه في اتجاه بعض الدوائر في الغرب، في جعل الطرف الرئيس في مشكلة الإرهاب المسلمين، وليس غيرهم.