الجهاد والإرهاب

من الواضح أن الإرهاب لم يكن إحدى القيم التي يريدها الإسلام لمعالجة المشكلات مع الآخرين، أو فرض مفاهيمه على الآخرين.
ولا يتم تداول كلمة (الإرهاب) كمصطلح إسلامي أو شرعي، وهنا يمكننا أن نتساءل:
هل يمكن أن يقبل أحد في تحديد الإرهاب أن كل ما كان ضد الولايات المتحدة -مثلاً- فهو إرهاب؟!
كيف يمكن أن نضمن للشعوب الأخرى حقها في الدفاع عن مصالحها وحقوقها، إذا كانت الولايات المتحدة هي الطرف المعتدي؟
تحت أي غطاء تقوم الولايات المتحدة بشن الحروب المدمرة هنا وهناك؟ أليس تحت مبرر الحرب على الإرهاب؟!!
إذاً: فثمة حرب عادلة ومشروعة.
فمن يملك حق تحديد ملامح هذه الحرب؟
ومتى تكون مقبولة؟
ومتى تكون مرفوضة؟
نعم! الإسلام يحدد موقفه على ضوء التعريف الذي يمكن منحه للإرهاب، وليس من الممكن أن (يوقع على بياض) كما يقال!
فما يندرج تحت الإفساد في الأرض، أو الظلم، أو العدوان على الأبرياء؛ فهو مرفوض أياً كانت تسميته، وفي أي أرض وقع، سواء وقع في أمريكا، أو أفغانستان أو فلسطين، أو اليابان أو نيكاراغوا، أو لبنان أو العراق، أو فيتنام، أو ليبيا... إلخ.
وما كان دفاعاً مشروعاً عن النفس، أو مقاومة للمحتل، أو طرداً للمستعمر فهو عدل مقبول سائغ.
وحتى في هذه الحالة؛ فإن للحرب في الإسلام نظاماً أخلاقياً صارماً، تتم الإشارة إليه بعد.
وهناك أشكال متعددة من الإرهاب، فمنها:
1 - الإرهاب الاستعماري الهادف إلى نهب خيرات البلاد.
2 - الإرهاب الاستيطاني، كما في إسرائيل، و جنوب إفريقيا سابقاً.
3 - الإرهاب الفكري، كالذي تمارسه الصهيونية ضد من تسميهم بأعداء السامية.
4 - الإرهاب الدولي، الذي تمارسه دول وحكومات ضد غيرها تحت مسميات فضفاضة.
5 - الإرهاب الاقتصادي، الذي تمارسه دول الشمال الغني مع دول الجنوب الفقير.
أما كلمة (الجهاد) التي يتم تداولها كرديف للإرهاب في أدبيات الغرب عامة، فهي مفهوم حياتي واسع، لا يختص بالمواجهة المسلحة مطلقاً .
وفي نصوص الكتاب الكريم نجد:
1- الجهاد بالقرآن: (( فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ))[الفرقان:52]، وهذا يعني: الدعوة والحجة والبيان والمجادلة بالحسنى.
2- جهاد النفس: (( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ))[العنكبوت:69]، فيدخل في معنى الآية: مجاهدة النفس على الخير والتزكية والإيمان، وكفها عن الشر والشهوة والفتنة، ومثله قوله تعالى: (( وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ))[العنكبوت:6].
3- الجهاد بالمال، وهذا يعني صرفه في مصارف الخير المتنوعة، ويشمل ذلك صرفه للمقاتلين في سبيل الله، وهذا ورد في عدة مواضع من القرآن الكريم.
4- الجهاد بالنفس، هذا يشمل الأعمال الصالحة التي يقوم بها المؤمن، كالقتال المشروع في سبيل الله، والتعليم والدعوة، وغيرها.
ومن المدركات التاريخية المقررة أن أكبر بلد إسلامي اليوم -من حيث عدد السكان- إندونيسيا، دخلها الإسلام ليس عن طريق الحرب، بل بالرسالة الأخلاقية .
وبالرغم من انحسار السلطة الإسلامية عن مناطق كثيرة حكمها الإسلام تاريخياً، إلا أن أهلها الأصليين ظلوا مسلمين، وحملوا رسالة الحق ودعوا إليها، وتحملوا الأذى والتعذيب والظلم في سبيلها ، كما نجده في بلاد الشام و مصر و العراق و المغرب و القوقاز و البلقان و إسبانيا التي أقيمت للمسلمين فيها محاكم التفتيش، وهذا يدل على أن تأثير الإسلام فيهم كان أخلاقياً إقناعياً، بخلاف الاستعمار الغربي الذي أخرج بالقوة من البلاد الإسلامية، ولا يتذكر الناس عنه إلا المآسي والآلام والقهر والتسلط.
إن من الخطأ الفادح أن يتصور البعض أن كلمة الجهاد هي رديف لكلمة (القتال) أو (الحرب) والتي لا تعني إلا جزءاً خاصاً من مفهوم الجهاد .
إن الإسلام تحت اسم الجهاد يدعو إلى حماية المجتمعات من الظلم والتسلط والدكتاتورية التي تصادر الحقوق والحريات، وتلغي نظام العدل والأخلاق، وتمنع الناس من سماع الحقيقة أو اعتناقها، أو تضطهدهم في دينهم .
كما أنه تحت الاسم ذاته يسعى إلى تحقيق الإيمان بالله وعبادته وتوحيده، ونشر قيم الخير والفضيلة والأخلاق بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال سبحانه: (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ))[النحل:125].
كما يدعو إلى الإصلاح الاجتماعي في مقاومة الجهل والخرافة والفقر والمرض والتفرقة العنصرية.
ومن أهدافه الأساسية حماية حقوق المستضعفين الخاصة والعامة من تسلط الأقوياء والمتنفذين.
وفي القرآن الكريم: (( وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ))[النساء:75].
قال الزجاج: أي: ما لكم لا تسعون في خلاص هؤلاء المستضعفين؟ وهذا قول ابن عباس، وغيره من أئمة التفسير.
وبهذا يكون من صور الجهاد في الإسلام مقاومة الظلم ومقارعته: (( رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ))[النساء:75]، فهو يضمن حق الأمم في مدافعة الظالمين المعتدين.
و يحرم الإسلام الظلم حتى للمخالف في الدين، كما قال سبحانه: (( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ))[المائدة:8] .
ويقول للمؤمنين في شأن قريش التي منعتهم من دخول المسجد الحرام بـمكة: (( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ))[المائدة:2]، والشنآن هو البغض والعداوة، أي: لا تحملكم بغضاء وعداوة شعب أو أمة على أن تعتدوا عليهم أو تظلموهم وتصادروا حقوقهم.
وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( اتقوا دعوة المظلوم، وإن كان كافراً فإنه ليس دونها حجاب ) .
كما أن من صور الجهاد مقاومة الدكتاتوريات التي تريد المحافظة على الخرافة والجهل، وعدم إعطاء مساحة لقيم الإيمان بالله، والأخلاق في الحركة الاجتماعية .