الرئيسة المقالات1426 هـأزمة الفهمالثالث: عدم القدرة على الاستيعاب

الثالث: عدم القدرة على الاستيعاب

وقديماً قيل:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه            وجاوزه إلى ما تستطيع
وقيل:
وكم من عائب قولاً صحيحاً            وآفته من الفهم السقيم
وهذا يتوقف على المرسل والمستقبل والموضوع، و الناس عقولهم كالأوعية تتفاوت تفاوتاً عجيباً في التلقي والاستقبال .
تجد من يملك قدرة على فهم دقائق المسائل وشواردها علمية كانت أو فلسفية أو غيرها من أول مرة؛ بينما تجد آخر لا يستطيع أن يفهم إلا الأمور العملية البدهية، و ليس عدلاً أن يكون نقص الفهم سبباً في رفض الأشياء وتفنيدها؛ فالسذاجة والبساطة ليست أبداً عنوان الحقيقة .
و من رحمة الله عز وجل بالأمة أن مهمات الإسلام وكلياته وأصوله الكبار في غاية السهولة في الفهم والتطبيق، ولا تحتاج إلى جهابذة أو أفذاذ وأنماط معينة من العقول، كالشهادتين والصلاة والزكاة والحج.
وينبغي العناية بمثل هذا لأنه محل اجتماع مع شدة الحاجة والضرورة الملحة إليها؛ ففيه السلامة في الدنيا والنجاة في الآخرة.
أما المرسل أو المتحدث فقد يكون لا يبين، أو لا يفهم، غامضاً في طرحه وعبارته، خطابياً مسترسلاً مما يولد انطباعاً غير ما يريد هو.
وبعض الناس إذا لم يرق له الكلام أو لم يوافق ما يريد قال: فيه عموم، أو إجمال، أو غموض، وهو يقصد أنه لم يأت على ما في نفسه أو لم يوافق رأيه، وكثيراً ما يعامل الطلاب أو المريدون أقوال ونصوص إمامهم كأنها وحي، ولعل المتتبع لمقلدي الأئمة السابقين واللاحقين يرى غرائب من ذلك.
ثم يأتي دور طبيعة الموضوع، فمن تكلم عن مسألة عامة ليس كمن تكلم في معضلة كلامية، والحديث الديني غير السياسي.
ومن هنا جاء اهتمام العلماء بالفروق، بل ألفوا فيها كتباً، ككتاب: الفروق للقرافي، فقد تسمع الكلمة فيتبادر إليك معنى هي أبعد ما تكون عنه.