الرئيسة المقالات1426 هـأزمة الفهمالأول: الخلط بين الحادثة المفردة والحكم العام

الأول: الخلط بين الحادثة المفردة والحكم العام

وفي الصحيح قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه المشهورة وكتابه لزعماء قريش يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال عمر بن الخطاب: ( إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فأضرب عنقه. قال: فقال: يا عمر! وما يدريك؟ لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة! قال: فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم ).
فهذه حادثة فردية في حياة حاطب فعلها لحاجة في نفسه فعامله الصحابة على تعميم المفرد، لكن أحكم الخلق صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم بالنفوس ومداواتها لم يعمم ولم يؤاخذه على أنه جاسوس خائن وأنه وهب حياته لذلك، بل كمفردة في حياته سرعان ما تخلص منها وحفظ له سابقته في الإسلام ومقامه وجهاده.
وفي الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأبي ذر لما ساب رجلاً وعيره بأمه: إنك امرؤ فيك جاهلية. قال أبو ذر: على حين ساعتي هذه من كبر السن؟! قال: نعم ).
فلم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت امرؤ جاهلي، فهذه فعلة مفردة لا تعمم على حياة الشخص ولا تسقط مقامه وسابقته، و أبو ذر لم يفعل هذا لثورة شبابه أو لأنه حديث عهد بإسلام، بل وهو كبير السن صاحب مقام كبير وشأو واسع.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط معقباً على هذا الحديث: وفيه أن الرجل مع فضله وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه، فحمل المفرد على العام بإطلاق ليس من الصواب ويجب الحذر منه، فهو من آفات الفهم وأسبابه.
و ينبغي لطلبة العلم ألا ينساقوا وراء الأحكام العامة وسحبها على الأشخاص والجماعات والقبائل، بل حتى أحيانا على الشعوب .
وكم عانينا ممن اتهم أئمة كباراً كأمثال ابن حجر و النووي رحمهما الله بقوله: جهمي جلد.. معطل.. تحرق كتبهم كـالفتح و شرح مسلم.
وما ذاك إلا أنه وقع في بعض المواضع على بعض التأويلات التي اجتهدوا فيها، والذين هم فيها بين أجر وأجرين، فحشرهم مع الجهمية والمعتزلة وغيرهم، ولم يفرق بين من انطلق في كلامه من أصول منحرفة وبين من هو على السنة ووافق بعض الفرق بمحض اجتهاد في بعض الآراء، فجاءت المشكلة من سحب المفرد على العام فخسرنا كثيراً.