الرئيسة مقالات1432 هـالحاجة لأدب الخلاف (21)

الحاجة لأدب الخلاف (21)

لعلنا جميعاً نتحدث بهدوء عن أخلاقيات الاختلاف، ونحاول أن نضع نظريات جميلة من الناحية اللفظية، لكن القليل منا هم أولئك الذين يستطيعون أن يطبقوا هذه النظريات ويحولوها إلى واقع في سلوكهم العملي، وفي علاقاتهم مع الآخرين.
وكأننا نلتمس من الآخرين أن يلتزموا بأخلاقيات الخلاف حينما يختلفون معنا، لكننا لا نلتمس من أنفسنا الالتزام بهذه الأخلاقيات حينما نختلف معهم!
إننا بحاجة إلى تدريس أدب الخلاف في مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا، وتدريب الشباب والفتيات على ممارسته عملياً؛ ليتحول إلى عادة وعبادة في الوقت ذاته.
أما كونه عبادة؛ فلأنه طاعة لله ورسوله، واتباع لسنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام.
وأما أن يتحول إلى عادة؛ فذلك حين يتربى المرء عليه، ويصبح سجيةً وطبعاً لا يتكلفه.
إن أدب الحوار مهم، يحتاج إليه الحاكم ليحفظ حقوق رعيته حتى ممن يختلفون معه، كما حفظ النبي صلى الله عليه وسلم حقوق الناس كلهم، فحفظ حقوق المخالفين بـالمدينة من اليهود والمنافقين، وأما أصحابه، فلا تسأل عن صبره وصفحه وتجاوزه وإنصافه من نفسه وإعطائه الحق لطالبه.
وقد حفظ أصحابه رضي الله عنهم العهد من بعده، فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما خرج عليه الخوارج، ووقع منهم ما وقع في أول بادرة خطيرة في تاريخ الإسلام من التباعد والتطاحن والخلاف الذي تحول إلى مواجهة عسكرية أضرت بالخلافة؛ إذا به يصفهم بقوله: [ إخواننا بغوا علينا ]. ويرفض أن يصفهم بكفر أو غير ذلك، ثم يحفظ لهم حقوقهم ما لم يحملوا السلاح، ويخيفوا السبيل، ويستحلوا الدم الحرام.
وأدب الخلاف يحتاج إليه العالم؛ ليحفظ حقوق الطلاب، ويعدل بينهم ويحسن الظن بأسئلتهم وإشكالاتهم واعتراضاتهم، ويفتح لهم صدره، ويربيهم على المسؤولية المستقلة وعدم الذوبان في شخصية الشيخ؛ ليخرج لنا سادة نبلاء نجباء، لا مقلدين ضعفاء.
وأدب الخلاف يحتاج إليه الأب؛ تحبباً إلى أولاده، وعذراً لهم فيما خالفوه فيه، وإدراكاً أنهم صغار قوم، كبار قوم آخرين، فليس المطلوب أن يكون الولد أو البنت صورة طبق الأصل عن الأبوين، بل للولد بصمته الخاصة في فكره وعقله، كما له بصمته في بنانه، وفي صوته، وفي حدقة عينه.
وإذا كنا سنتحدث عن أدب الخلاف، فإننا بحاجة إلى وضع آليات لإدارة الخلاف الذي يقع بيننا.