الرئيسة مقالات1432 هـوحدة رغم الخلاف (3)

وحدة رغم الخلاف (3)

قررت هذه الآيات وما في معناها قاعدة إسلامية عريضة إجماعية وهي: أن الله سبحانه وتعالى عقد راية الإخاء والولاء والمودة والمحبة بين أهل الإسلام، وهذا حكم إلهي صارم لا مجال للتردد فيه، يقول الله سبحانه وتعالى: (( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ))[الأنبياء:92].
واللافت للنظر أن هذه الآية تكررت في سورة المؤمنون، وفي سورة الأنبياء.
ولاحظ الاسمين: الأنبياء والمؤمنون. ففي السورة الأولى ذكر الله قصص الأنبياء وأسماءهم: موسى وإبراهيم وهارون وعيسى وزكريا ويحيى وذا الكفل وذا النون وغيرهم عليهم السلام، وأثنى عليهم، وأدخل معهم مريم عليها السلام ولو لم تكن من الأنبياء لفضلها ومزيتها، ولأنها كانت أماً لـعيسى، ثم قرر هذه القاعدة: (إن هذه أمتكم أمةً واحدةً)، فما مرجع الضمير؟ وهل المقصود أن الأنبياء أمتكم؟ أو المقصود هذه الأمة المحمدية الخاتمة هي أمتكم؟ اختلف المفسرون في هذا.
والأقرب أن هذه آيات كرس الله تعالى فيها معنى الأمة الواحدة، في البشرية كلها، وأنها بدأت بوجود آدم عليه الصلاة والسلام، وعبرت المراحل والسدود والحدود والأزمنة، حتى آلت النوبة فيها إلى خاتم الرسل وسيدهم محمد عليه الصلاة والسلام، فكان حامل الراية وخاتم المرسلين، وإمامهم في الدنيا ويوم الدين، وكانت أمته خير الأمم وآخرها، ووريثة هدي الأنبياء ودعوتهم، ولهذا لا يوجد على ظهر الأرض أمة غيرهم تحمل النور المتمثل في هذا الكتاب المعصوم من التحريف والتبديل والزيادة والنقص؛ (( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ))[فصلت:42]، (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ))[الحجر:9].
والأمة التي تمثل قدراً من الالتزام بقيم القرآن ومعاييره وأوامره ونواهيه عبر العصور وإن كان يحصل لها من الخلل ما يحصل، وفيها من النقص والجهل والظلم والانحراف ما لا يخفى فعندها من الخير والهدى والإيمان والعلم وآثار النبوة ما ليس عند غيرها في واقع حياتها العلمي والعملي، فضلاً عن أنها تمتلك المنهج الذي لو عملت به لصلحت وأصلحت، ألا وهو الكتاب والسنة الصحيحة، والذي لا تلبث أن تعود إليه في نهضاتها وهباتها وحراكها عبر التاريخ.
وقوله تعالى بعد ذلك: (( وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ))[الأنبياء:93]، إشارة إلى ما وقعت فيه الأمم السابقة من الخلاف والتناحر والتباغض، واختلاف القلوب، وحث لهذه الأمة أن تلتزم بالوحدة وألا تسلك مسلك الأمم قبلها في الخلاف، إذ تقطعوا أمرهم بينهم، كأن هناك أمراً واحداً يجمعهم، فقاموا وتقطعوه، فكل فئة منهم أخذت قطعة منه.
وهذا هو المعنى الذي تجده في سورة المؤمنون؛ فإن الله ذكر الأنبياء موسى وهارون وعيسى، ثم قال: (( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ))[المؤمنون:52]. فأكد المعنى نفسه وقرر وحدة الأمة وأنها ليست أمماً، ثم قال: (( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ))[المؤمنون:53]، فهم تقطعوا هذا الأمر بينهم، ثم قال: (زبراً). والزبر: جمع زبور، والزبور: هو الكتاب؛ لأنه مزبور، أي: مسطور ومكتوب.
قال الشاعر:
تمنى كتاب اللـه أول ليلة            تمني داود الزبور على رسل
وقال سبحانه: (( وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ))[النساء:163]. فالزبر هي الكتب، كأن كل فئة أخذت بجزء من الدين وفرحت به، وغفلت عما سواه مما أخذت به فئة أخرى غيرها.
وفي الآيتين معاً تعبير: (تقطعوا أمرهم بينهم)، وهو كالتشبيه، وكأن الدين لباس، وهو كذلك ظاهراً وباطناً (( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ))[الأعراف:26]، بيد أن هؤلاء تجاذبوه وتنازعوه، فتقطع بينهم، فهذا أخذ طرفاً، وهذا أخذ كما، وهذا أخذ جيباً، وكان المفلح عند التنازع من لم يدخل في النزاع، وأخذ الدين من جميع جوانبه.
وهذه إشارة إلى الخلاف العلمي، وما يترتب عليه من المسالك العملية، مما لا يكون مبنيا على حجة شرعية ولا على أصول صحيحة، وإنما داخله شيء من الهوى أو الغرور، فهي تحذر من التجاذب العلمي الانتقائي، الذي يتجلبب بجلباب العلم، ويأخذ ببعض الكتاب ويدع بعضاً، أو يضخم بعض الأمور على حساب بعضها الآخر؛ ولهذا قال الله سبحانه: (( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ))[المؤمنون:53]. وهو تعبير قرآني مذهل عن الحالة النفسية التي تصاحب كل فئة منتشية بجوانب تميزها عن غيرها، وتشعرها بالتفوق والاعتزاز.
فهذا يومئ إلى أنهم نسوا انتماءهم إلى الأمة، وتحولوا إلى أحزاب متناحرة، وليس ذماً للخلاف المشروع المنسجم مع الأصول الشرعية والقواعد المرعية الذي كان موجوداً في عهد الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الأربعة وسواهم.
فاجتماع الواحد من هذه الأحزاب ليس على عواصم الدين ومحكمات الشريعة وقواعد الملة، وإنما هو على خصوصية معينة اختزل الدين فيها واختارها وغفل عما سواها، فهم اجتمعوا على الخصوصيات لا على الأعمال، وهؤلاء فهموا شيئاً وتحالفوا عليه، ونابذوا من خالفهم فيه، وأولئك تحالفوا على شيء آخر، وهكذا وجد الخلاف في الأمة؛ وأصبحت أحزاباً متناحرة، معجبة بنفسها، مزدرية ما عند غيرها، مغترة بكونها تحمل بعض الحق والصواب.
وهنا معنى مهم، وهو أن الله سبحانه جعل للمسلمين من المظاهر والعقائد والأحكام ما يخالفون به غيرهم من الأمم المنحرفة كـاليهود والنصارى، ونهانا الله سبحانه وتعالى عن التشبه بهم في أعمال القلوب، كما في آية الحديد، فقال سبحانه: (( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ))[الحديد:16].
ونهانا عن التشبه بهم في المسالك العملية. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى لما ذكر اليهود وما جرى لهم: (( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ))[الحشر:14].
فهذا اللون من الخلاف لا يقع إلا ممن ضعف دينهم؛ لأن الدين ينهى عن التفرق، أو ممن ضعفت عقولهم؛ لأن العقل يقتضي أن يتوحدوا ويتناصروا ويتعاونوا على مصالح دينهم ودنياهم.