الرئيسة المقالات1428 هـيا للإنسان (2-2)

يا للإنسان (2-2)

بعد الحرب العالمية الحديثة خاف الإنسان من نفسه، وأصدر بيانات وإعلانات عالمية ومدونات تقوم على حقوق الإنسان، ورعاية كرامته، على أنها تفقد الصبغة الذاتية التي جعل الإسلام من حقوق الإنسان واجبات ربانية وقانونية، ليست مصلحية أو خاصة قد يعبث بها القوي، ويجعل فيها ضروب الاستثناءات والمحسوبيات.
إن مدونة حقوق الإنسان الحالية تنبض بجوانب مشرقة تشرف تاريخ الإنسان، ونظريات تدفع إلى حفظ حقوقه ، مع أن بعض المسلمين يتحدثون عنها، ويتناولونها بتوجس وخيفة؛ لأن مصادرها غربية، وقد تحتوي على مبادئ لا يوافق عليها المسلمون، وينظر إليها كثير من المسلمين على أنها جملة مغالطات يملك المسلمون أفضل منها، وذلك رأي ينبغي مراجعته، فكثير من هذه الحقوق تعرف عليها الفكر الغربي عبر الثقافة الإسلامية نفسها، يوم كانت سيدة العالم، و ينبغي للمسلمين المعاصرين أن يكونوا أحرص الناس على صيانة حقوق الإنسان، وإبعاده عن أوباء العصر وأمراضه، وحروبه ودمائه، وظلمه وقهره ، و كل خير يصيب الإنسان فهو باب للدعوة والعمل والإصلاح، وكل حلف أو اجتماع أو اتفاق فهو رسول للخير والنهضة ، يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول الجاهلي: ( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها، وألا يعز ظالم مظلومًا )، وهذا أثر مشهور وهو عند البيهقي ، وذكره ابن كثير في البداية ؛ لأنه خير تنعم البشرية كلها بظله، وذلك شيء يحبه الله ويرضاه، وليس شيء أضر على هذه الحياة من العبث بمقدراتها، أو الظلم لبني الإنسان، أو استباحة الدماء فيها، وهذا ما خافته الملائكة، حين قال الله عز وجل: (( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ))[البقرة:30].
إن القيم المتفق عليها بين الديانات والبشر والعقلاء في حفظ كرامات الناس، وصيانة أعراضهم تبقى قيماً روحية عاليةً، وإذا لم يكن لها تطبيق عملي، وامتداد واقعي فسوف تكون كلاماً جميلاً يطرب له وحسب، إن حقوق الإنسان ليست كتاباً يقرأ، أو كلاماً يسمع، أو حرفاً يكتب، إنها ثقافة يمارسها الجميع، ولكم ساءني أننا في الوقت الذي ننتقد الخروقات الظاهرة في العالم الغربي لحقوق الإنسان، نعمل الشيء ذاته في الوطن العربي، نعمله بذواتنا وأنفسنا، والله عز وجل يقول: (( وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ))[النساء:29]؛ فالله عز وجل حفظ كرامة أنفسنا حتى لا نهتكها بأيدينا، ويسيطر علي إحساس بأننا نسمع كلاماً عذباً حول الحقوق، ونمارس عذاباً وعقوقاً للغريب والقريب.
لقد آن الأوان لأن تتحول قضية حقوق الإنسان إلى مشروع واضح، مشروع دعوي حقوقي نستطيع أن نحافظ به على ذاتيتنا كعرب ومسلمين، ونستطيع أن نقدم به أنفسنا للآخرين بشكل لائق وصحيح.
إننا نحتاج لحفظ حقوق العمال الذين بخسهم الكفلاء، وماطلوا في حقوقهم، وضيعوا أمانة الله فيهم، وإلى حفظ حقوق الضعفاء والمساكين، وحفظ حقوق المرأة التي كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم: بقوله: ( اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم، والمرأة )، كما عند ابن ماجه و أحمد و ابن حبان و الحاكم ، وقال: صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي .
وكانت وصيته في الموالي والأجراء، ( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم )، رواه أحمد و أبو داود و ابن ماجه.
وإلى حفظ حقوق الفكر والثقافة والرأي، يقول الله سبحانه وتعالى: (( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ))[العنكبوت:46].
وفي حفظ حقوق المسلمين يقول نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ).. إلى آخره.
وإلى حفظ حقوق غير المسلمين يقول الله جل وعلا: (( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ))[الممتحنة:8].
يا للإنسان! الذي هتكت كرامته عملياً، وسط صراخ النظريات الحقوقية العالمية، وتعاونت على ذلك الجهة المتطرفة في السياسة الغربية، والإخفاق النظري والتطبيقي في الوطن العربي بالدفاع عن حقوق الإنسان، مع أن هناك ومضات مبشرة في هذا الواقع الكبير.
علينا حتى لا ننشغل بفضح المنظمات الغربية والخروقات الأممية لحقوق الإنسان؛ أن نعمل على تقويم ذاتنا وثقافتنا ومعاملتنا، بما ندعو إليه من الدفاع عن جملة الحقوق التي يعترف بها الجميع ويقرون بها.
لقد قدم الإسلام تشريعاً عملياً؛ يساعد على رعاية حقوق الإنسان؛ لتطبيق مبدأ الرقابة الذاتية في الأمة المسلمة، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الله جل جلاله: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ))[التوبة:71]، وهذه الشريعة هي المسئولة عن الحفاظ على هذا المجتمع، وليست وظيفة هذا التشريع القضاء على جملة المعاصي والذنوب، فهذا عمل مستحيل، إنما تقليص الشر ودائرة تأثيره، وأيضاً فإن من أهم أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أداء الحقوق، والحث عليها، والمعاملة بالحسنى، ورد الظلم، والنهي عن الإثم، والمساعدة على تفعيل حقوق الناس، كما هو الحث على أداء الواجبات؛ ليكون الجهاز القائم بالأمر بالمعروف مدافعاً عن حقوق الناس ومحبوباً لهم.
العالم الإسلامي بحاجة لمدونات رسمية معتمدة؛ لبيان حقوق الناس، والدفاع عنها، وتحريرها بإعلان ذلك؛ حتى يعلم الجميع قيمة ذلك وجديته، كما يحتاج لجمعيات لهذا العمل ذاته، مع وجود جمعيات حقوق الإنسان التي تمارس دورها بوضوح، إلا أنها قليلة مقارنة بالواقع الذي يتطلب قدراً كافياً للتعامل مع قضاياه وشئونه.
إننا نحتاج إلى احتساب حقوقي، للقيام بحقوق الناس، وبيانها، ومتابعتها عبر مجموعات رسمية، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهيئات الدفاع عن حقوق الإنسان، وتكون هذه الجمعيات لها أنظمة وجهات إشرافية ورقابية، لكي تعمل على تدريب الناس، وتعويدهم تناول مثل هذه الأشياء في جو صحي وأخلاقي معتدل.
إضافةً إلى إشاعة ثقافة الحقوق، من خلال المحاضرات والمناهج، وإلى وضع مقرر دراسي يتحدث عن قضية الحقوق، ويربي الدارسين والمتعلمين على معرفة حقوقهم وواجباتهم؛ ليكون ذلك إعانة على نشر الوعي السليم، وتكوين البيئة الصالحة لكل نهضة مرتقبة، أو إصلاح مرغوب، يقول الله تعالى: (( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ))[هود:117].