الرئيسة المقالات1428 هـيا للإنسان (1-2)

يا للإنسان (1-2)

لم يكن الناس قبل الإسلام يصفون الإنسان أو يعرفونه بإنسانيته، فكل قيمته هي في نسبه، أو أهله، أو شجاعته، أو أي وصف يعرفونه به، ولما جاء الإسلام كان عجيباً أن يتحدث القرآن: (( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ))[الإنسان:1].
ولأول مرة في تاريخ البشرية يسمع الإنسان عن نفسه، ولأول مرة يتحدث عنه خطاب مبين بهذا الشكل على أنه إنسان فقط، فمجرد الإنسانية كافية لتوجيه خطاب رباني مبين؛ لتحميله المسئولية، ومطالبته بحماية نفسه من أدوائها وأمراضها وظلمها، يقول الله سبحانه وتعالى: (( فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ))[التوبة:36]، والقرآن في سورة الإنسان يتحدث عن تاريخ الإنسان، ليس تاريخاً لأمة ولا لشعب ولا لدولة، بل لميلاد هذا الكائن الحي، يقول الله سبحانه: (( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ))[الإنسان:1-3].
لقد تحدث القرآن عن الإنسان، وعن الناس، وعن بني آدم، بخطاب عظيم يصف به تكريمه لـآدم أبي البشر: ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ))[الحجر:28-31].
وتكريمه لبنيه: (( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ))[الإسراء:70].
وشكله: (( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ))[التين:4].
وعن أحاسيسه: (( إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ))[المعارج:19-22].
ويتحدث عن طبعه: (( إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ))[إبراهيم:34].
وأخيراً: عن مصيره، وعلاقته بربه، ودينه: (( إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ))[العصر:2-3].
لقد جاء الإسلام ديناً جديداً متجدداً نشطاً متأججاً، وهو يحمل مبدأ ومدونات واضحة لحقوق الإنسان؛ حقوق الرعية والراعي، وحقوق الصغير والكبير، وحقوق العالم والمتعلم، وحقوق المرأة والطفل والمراهق، وحقوق العامل والأجير، ولما انبثق هذا الدين، وصرح بالحق ونادى به؛ صادف أمماً قد تآكلت فيها هذه الحقوق، وتم الاعتداء عليها، وسحقها، فوجد الناس كلهم في الإسلام إنقاذاً لهم، وخروجاً بهم من القرار العميق الذي يعيشون فيه، ولما جاء الفتح الإسلامي وانساح بسرعة، وامتد إلى شرق الأرض وغربها، استقبله الناس بقلوبهم وأرواحهم وعقولهم، وتحمست الأمم المفتوحة للإسلام، ومرد ذلك كله إلى وجود الخصائص والمنظومات التي تحفظ حقوق الناس وترعاها حق رعايتها.
لقد تحدث الإسلام عن حق الله على عباده، وحق العباد على الله، ويا للعجب! يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: ( يا معاذ ! هل تدري ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً )، و فقهاء الإسلام يتحدثون عن حقوق الله، وحقوق المخلوقين، وكثيراً ما كانوا يقولون: إن حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق المخلوقين مبنية على المشاحة.
إن نظرية: (الحقوق)، في الإسلام نظرية روحية؛ تجعل العبد مسئولاً مسئولية مباشرة أمام الله عز وجل، وليس أمام القانون، ويجعل من حقوق الناس مجالاً لرفعة العبد عند الله أو نزول منزلته، ومجالاً لدخول الجنة والنار ؛ بل وتحدث الإسلام عن ذلك العابد التقي الذي لا يحفظ حقوق الناس بأنه لم يعمل شيئاً، وأهدر عبادته ليصبح مفلساً، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار ).
وفي الصحيحين: ( إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً )، وحسن الخلق حفظ لحقوق الناس وأعراضهم، لقد علمنا الإسلام أن نقدر حقوق الآخرين بما نستحق من حقوق، فالإنسان يعرف حقوق نفسه، ولكنه قد يغالط في حقوق الآخرين، فجاء النص النبوي بجلاء تام؛ ليوضح هذا المعنى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، رواه البخاري و مسلم .
وقال كما في صحيح مسلم : ( وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه )، وبهذا المستوى يرفع الإسلام أتباعه عن أن يكونوا أنانيين متمحورين حول ذواتهم، لا يراعون إلا حقوقهم، ولا ينظرون إلى حقوق الآخرين عليهم.
ولقد جاء الإسلام بمعنى مستقل لا يوجد في الأنظمة الحقوقية لقد طرح معنى ظلم النفس، فالإسلام يحمي الإنسان من عقوقه هو، وظلمه لنفسه: (( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ))[النساء:110]، (( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ))[النحل:118].
فنهى أن يكلف العبد نفسه ما لا يطيق: ( اكلفوا من الأعمال ما تطيقون )، كما هو ثابت في الصحيح، ثم جعل الإسلام من الإنسان نفسه رقيباً لأداء هذه الحقوق أو تضييعها، ومع ذلك وضع أطراً قانونية في الشريعة الإسلامية لحماية هذه الحقوق، وأنشأ مفهوماً جاداً للأخلاق البينية؛ يحمل مادة واسعة ضخمة لحفظ حقوق الناس فيما بينهم، وثمة مدونة في حقوق المرأة، وأخرى في حقوق الزوجية، وحقوق الراعي والرعية، وحقوق الآباء والأبناء، وحقوق العامل وصاحب العمل، تتوزع في حقوق اجتماعية وفكرية وسياسية واقتصادية.. وغيرها.
إن الثقافة العامة للعلاقة الاجتماعية في بيئتنا تشجع على تجاوز الحقوق وطمرها، فكل أحد يحاول بطبيعته أن ينتهك هذه الحقوق من موقعه الخاص وتوسيع سلطته، ولذلك يقول ابن دقيق العيد رحمه الله: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان: العلماء والأمراء.
إشارة إلى قضية الاعتداء على حقوق الإنسان من قبل السلطة السياسية والدينية أو الثقافية؛ بالحرمان والظلم السياسي والثقافي والديني، ولأجل مكافحة هذا الظلم فرض الإسلام قيوداً أخلاقية واضحة؛ لحفظ حق الإنسان في العيش بكرامة، وحرية القول والعمل والتدين، يقول الله تعالى: (( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ ))[البقرة:256].
ومن أعظم بيانات الحقوق التي عرفها الإنسان، هذا البيان العظيم، يقول المولى سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ))[الحجرات:11-12].