ولد المرة

المرة، المرأة عربية فصيحة، وفي شواهد ابن عقيل:
تقول عرسي وهي لي في عومرة            بئس امرأً وإنني بئس المرة
والحق أن هذه المرة في البيت المذكور شجاعة في اعترافها على نفسها بالسوء، وهذا ما لا يطيقه الكثير من أشداء الرجال.
بينما يعلق عليها الرجال أحياناً ما لا شأن لها به، فيحملونها مسئولية أنثوية المولود، وكأن ولادة الأنثى عار، بينما هي في الشريعة حجاب من النار، ورزق دار.
والمعلوم في الشرع والعلم الحديث أن المولود خليط أمشاج من نطفة الرجل وبويضة المرأة، وفي محكم التنزيل: (( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ))[النجم:45-46]، وهذا قد يرجح عند بعض أهل التأويل مسئولية الرجل عن جنس المولود، وهكذا الآية الأخرى: (( خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ))[الطارق:6]، كما رجحه الشيخ السعدي في تفسيره .
وهذا محل نظر، لكن ما لا نظر فيه هو أن الرجل والمرأة شريكان في هذا الجنين، وفي صحيح السنة بيان أنه: ( إذا علا ماء الرجل أذكر بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة أنثى بإذن الله ).
ويعلقون عليها بعد هذا جانب السوء والنقص في التربية والإعداد، فإذا أراد الأب أن يزدري ولده وينتقصه قال له: يا ولد المرة، وإذا أرادوا مدح البنت قالوا: بنت رجال.
وفي الأثر: [ أن امرأة ردت على عمر على المنبر في قضية المهور، فقال: أخطأ عمر وأصابت امرأة ].
وهذا الأثر وإن حسنه ابن كثير و السيوطي، إلا أنه ليس بالمشهور، وعلى فرض صحته فليس المقصود به والله أعلم استنكار الصواب على المرأة، وإنما الإشارة إلى حصول الصواب من إنسان مجهول غير معروف بالعلم يرد على أمير المؤمنين وهو على المنبر.

وكثيراً ما يرد في مجالسنا وأحاديثنا أن فلانة وهي امرأة قالت كذا، أو عملت كذا.. في سياق استغراب صدور الخير والصواب والتسديد منها، والمرأة ذاتها غدت منسجمة مع هذه المعاني متشربة لها؛ لأنها ثقافة مجتمعية عميقة لا محل للجدل حولها.
ولا يكاد يسمع صوت جدال بشأنها إلا من قبل المنادين بإلغاء التمييز المطلق بين الجنسين، ومن دعاة ثقافة الجندر، ومنظري وثيقة الأمم المتحدة بشأن حقوق المرأة، وهي وثيقة مبنية على فلسفة خاصة بالمجتمع الغربي، ولا تراعي ثقافات الأمم والشعوب الأخرى، وقد تحفظت عليها العديد من الدول الإسلامية والعربية، كـالسعودية و ماليزيا و مصر .. وغيرها.
بيد أن مجتمعنا الإسلامي والعربي والخليجي بحاجة إلى إعادة صياغة الصورة الصحيحة للمرأة، التي لن تكون رجلاً بلباس مختلف، ولن تتخلى عن خصوصيتها وأنوثتها وتميزها، ولن تكون ظلاً للرجل، وصدى واهناً لإرادته وحضوره.
إن كل الحركات المتطرفة الداعية إلى الانفلات تقتات من انحراف المفاهيم المتعلقة بالمرأة، ومن سوء التطبيق والتعامل، وسوء استخدام الرجل للسلطة.
ولقد كان لافتاً للنظر رد الفعل الإيجابي على قرار هيئة كبار العلماء في السعودية بشأن تحريم عضل الفتاة، وعقوبة الوالد الذي يمنع بنته أو موليته من الزواج.
ومع أن القرار لم يأت بجديد، إلا أنه كان ضرورياً، ويجب أن يكون بداية للعديد من القرارات المشابهة التي تضع تفصيل عدالة الشريعة موضع التنفيذ، وتذكر الناس بها، بل وتجبه أولئك الذين لا يريدون أن يفهموا، أو لا يريدون أن يمتثلوا.
غير أن الأمر لا يقف عند جزئيات من المسألة؛ لأن بعض مقررات الثقافة الأسرية والمدرسية والوعظية تضع المرأة موضع الشك والريبة، وتختصرها في جانبها الجسدي الجنسي الشهواني، وكأن الأنوثة عيب أو عار، وكل أحد يستثني من هذا المعنى أمه؛ لأنه ليس بمقدوره أن يتجاهل التشديد الكبير بشأنها في النصوص، ولا أن يتعامى عن الفطرة الإنسانية، ولا أن يتنكر للجميل والإحسان، لكنه لا يعمم الشعور النبيل على زوجته أو أخته أو بنته، فيتناقض مع نفسه.
ليس هذا تعميماً، ولكنه حديث عن معنى قائم في نفوس لو تفطنت له، وأدركت مجانبته للعدل، ومجانفته لمقتضى الشريعة لجاهدت في الخلاص منه، واستبدال الذي هو خير بالذي هو أدنى.
وقد يقدر الناس على تغيير بعض أنماط سلوكهم، وإدراك خللها، أكثر مما يقدرون على تغيير نمط التفكير ومعالجته، مع أن الفكرة أساس العمل والسلوك.
فمتى يلتفت المربون والعلماء والمصلحون والخطباء والآباء والأمهات إلى أهمية ضبط المفهومات، التي تنظم العلاقة داخل المجتمع؛ صيانة له من التفكك من داخله، أو الغزو من خارجه.
ومتى يكون هدي محمد صلى الله عليه وسلم مع أمه: ( زار قبرها وبكى بكاء شديداً )، ومع أزواجه، ومع بناته: ( بضعة مني يريبني ما يريبها )، ومع سائر النساء هو الحجة والمرجع، وإن خالف بعض مألوفات الناس وأعرافهم؟!