الرئيسة المقالات1428 هـهم درجات عند الله

هم درجات عند الله

هكذا اقتضت حكمته البالغة ورحمته السابغة، و في التنزيل ذكر الفئات الثلاث، يقول جل وعلا: (( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ))[فاطر:32]، ومع التصريح بالاصطفاء والعبودية ووراثة الكتاب، فقد بدأ السياق بالظالم لنفسه، وهو الواقع في الذنوب والمعاصي، وثنى بالمقتصد، وهو الوسط الذي لم يسرف في الذنب، ولم يستكثر من الطاعة، وثلّث بالسابق بالخيرات، ووعد جميعهم بقوله: (( ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ))[فاطر:32-34] .
إن هذا من مواضع الوعد الطيب، والعطاء الكريم، من لدن الرب العظيم، وهو من أخصها جوداً وفضلاً، وأبلغها تأثيراً في النفس.
خاصة عند قوله تعالى: (( الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ))[فاطر:34]، فإن أهل الدنيا مهما أوتوا من الرئاسة أو المال أو الصحة البدنية أو النجاح أو الشهرة، إلا أن الحزن يتسلل إليهم، وقد يكون سببه هو ما أوتوه من الدنيا، فيحزن بسبب الشهرة أو النجاح أو المال أو الولد أو العافية أو الرئاسة لفوات شيء منها، أو لحدوث منغصات في طياتها، كالحسد أو الشماتة أو المكايدة أو التنافس.
وفي صحيح السنة حديث جبريل المشهور في السؤال عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، وهي أيضاً درجات ثلاث، وما أشبهها بسياق الآية الكريمة، فالإسلام هو العمل الظاهر، وكأنه مصحوب ببعض الذنب أو الغفلة، والإيمان هو العمل الباطن، وهو حاجز عن المعصية، ولذا جاء في الحديث: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )، وهو في الصحيحين.
والإحسان هو أعلى الدرجات وأسناها وأسماها، وهو مقام السابقين بالخيرات.
و قد يكون المرء حيناً في مقام الإسلام، وحيناً آخر في مقام الإيمان، ومرة في مقام الإحسان، فإن القلوب أشد تقلباً من القدر إذا اشتدت غلياناً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الذي الحديث الذي أخرجه أحمد : ( لقلب ابن آدم أسرع تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً )
وفي رواية: ( أشد تقلباً من القدر إذا اجتمعت غلياناً )
..
إن من المشكلات القائمة افتراض أن يكون الناس على قدم واحدة في التقوى والالتزام والسنة، وحملهم على ذلك، والإلحاح الدائم عليه؛ لأنه مع مخالفته للسنة الكونية يضع للناس مستوى متعالياً قد لا يطيقه أكثرهم، فإذا لم يكن أمامهم خيارات أخرى دونه انقطعوا وتركوا العمل، أو اختاروا طريقاً آخر غير طريق الاستقامة، حين نكون أمام مجموعة من الشباب في استراحة أو ناد، أو تجمع، أو مدرسة فإن من الفتنة لهم أن تدقق في تفاصيلهم ومظاهرهم وألفاظهم وأشكالهم، وتحاسبهم على ذلك قبل وقت الحساب، وتفرزهم إلى أولياء وأعداء، وموافقين ومخالفين، وملتزمين وغير ملتزمين.
دع أمرهم لخالقهم، واسع في صلاحهم بصبر وأناة، وطول بال، وتعلم منهم ما تحتاج أنت لمعرفته، فلست رقيباً على العباد ولا حسيباً عليهم، ومن تواضع لله رفعه الله، وليس من شرط الإسلام أن يكون أحدهم طالباً للعلم، أو حافظاً للكتاب أو داعية إلى الله، وكلما كثرت الشروط ضاقت الدائرة.
وحين تكون أمام مجموعة من النساء في الشرق أو الغرب، مسلمات في بلد مسلم، أو مسلمات في بلد غير مسلم، فيهن الصبية والفتاة والكهلة والمسنة، وفيهن المتعلمة وغير المتعلمة، وحديثة العهد بتقوى، وحديثة العهد بالإسلام، أو بتعبير أفضل فيهن الظالمة لنفسها والمقتصدة والسابقة بالخيرات.
فافتراض أن يكون هذا الجمع على خط واحد في عبادته أو في سلوكه، أو في شكله الظاهر واحتشامه، وطريقة تعبيره عن العفاف والتصون والستر هو افتراض في غير محله.
وهو افتراض لم يحدث في أزهى عصور الإسلام؛ لأن أزهى عصور الإسلام قام على مراعاة الفطرة والطبع في محاولة التطبيق العملي للإيمان، بعيداً عن التعسف والتكلف ومعاندة السنن.
نعم! السعي للترقي والنضج والكمال مطلب، لكن بطريقة لا تلح عليه؛ حتى تجعله شيئاً لابد أن يكون، وقد تحدث من الشقاق والعداوة في النفوس والمجتمعات ما هو أشد وأنكى مما حاولت علاجه من الخطأ.
نعم! السعي للترقي والنضج والكمال مطلب، لكن دون أن يعني إهمال المعاني الإيمانية والحياتية العميقة والباطنة في سبيل إدارة معارك متواصلة حول الإصرار على جزئيات في السلوك، قد يكون معك فيها بعض الحق، لا كله.
نعم! السعي للترقي والنضج والكمال مطلب، لكن دون أن تتحول بعض السلوكيات الظاهرة التي تراها العيون إلى معيار نهائي للحكم على الناس، وتمييز بعضهم من بعض، فالتفاضل أصله بالتقوى، يقول الله جل وعلا: (( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ))[الحجرات:13]، والتقوى في القلب أولاً، وفي الجوارح والسلوك ثانياً.
إنه ليس من مصلحة التدين أن يربط ربطاً حاسماً بأنماط من الممارسة الاجتماعية أو السلوك الشخصي، وكأنه يفقد أو ينهار إذا طرأ عليها أي تعديل.
ورحمة الله أوسع من نظر الناس، فقد يسبق إلى الجنة عبد أو أمة بلحظة أو بدمعة أو بخطرة نفس، أو بإحسان إلى محتاج أو إلى حيوان، أو بعمل يسير توفرت فيه النية، أو بحسن خاتمة، أو بازدراء للنفس.
وقد يتأخر عن هذا المقام من شأنه الظاهر فوق ذلك، ولكنه غفل عن مراقبة القلب، أو داخله شيء من العجب، أو تكبر على الناس، أو أدل بعمله، أو شق على الناس فيما لم يفوضه الله إليه، أو ولغ في الأعراض، أو ظلم، أو بغى، أو أساء معاملة الأهل والقرابة.
ورحمة الله وفضله لهؤلاء وهؤلاء خير من أعمالهم، فلو أن الله عذب أهل أرضه وأهل سماواته لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً من أعمالهم، كما في الحديث الذي رواه أبو داود و أحمد : ( لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خير لهم من أعمالهم ).
ما للعباد عليه حق واجب            كلا ولا سعي لديه ضائع
إن عذبوا فبعدله أو نعموا            فبفضله وهو الكريم الواسع