الرئيسة المقالات1430 هـنداء إلى الخطباء والمتحدثين

نداء إلى الخطباء والمتحدثين

قد يرى الكثير من خطباء المساجد أهمية تخصيص خطبة الجمعة هذا الأسبوع لمعالجة المصاب الأليم والحدث الجلل في غزة ، وهذا تواصل محمود، وتعاطف مشكور، وتجاوب مع تطلعات الملايين الذين يؤمون المساجد، وفي عيونهم دمعة، وفي حلوقهم غصة، و التناول الرشيد من شأنه أن يداوي الجراح، ويزيد التفاؤل، ويرفع اليأس والإحباط عن النفوس، ويوجه إلى العمل الإيجابي، بدلاً من التلاوم وإلقاء التبعات على الآخرين ، أو الإغراق في التحليل السياسي الذي لا يتناسب مع حرمة المنبر وقدسيته، وهذه وجهات نظر تنادى إليها بعض الدعاة والمتحدثين، وأحبوا أن يشركوا إخوانهم الخطباء والمتحدثين عبر وسائل الإعلام الاطلاع عليها وترشيدها والإضافة إليها.
1- القصف الأعمى يستبق الإدارة الأمريكية الجديدة، وتقدم فيه الأحزاب الإسرائيلية برنامجها الانتخابي للمواطن الصهيوني، والذي يقاس نجاحه بحجم الدمار الهائل الذي يلحقه بالشعب الفلسطيني ومؤسساته.
2- الألم الذي يعتصر القلوب هو تعبير عن الحياة وعن الانتماء والإحساس بالشعور الأخوي: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان )، ( كمثل الجسد الواحد )، (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ))[الحجرات:10]، هو استجابة عفوية لمعاناة في جزء في هذا الجسد الكبير، وفقدان الألم يعني: قطع الأعصاب الناقلة للمعاناة.
3- يجب أن يترجم الألم إلى أمل، إلى عمل، كلمة طيبة هادئة لا تجري مجرى تصفية حسابات مع طرف أو آخر، ولا تؤسس أو تدعم خلافاً قائماً، ولا تعتمد مبدأ الشتيمة واللعن، ولا تنطلق من منطلق الإحباط واليأس، بل هي صرخة الإيمان في وجه الطغيان.
المؤمنون على عناية ربهم يتوكلون             لا خوف يرهبهم ولا هم في الحوادث يحزنون
لو مر واحدهم على فرعون يجتز الرءوس             لأراك في الإفصاح هارون وفي الإقدام موسى
4- التغطية والمتابعة الإعلامية ضرورية، وهي جزء من الحل، فلولا كاميرات الإعلام وتقارير المراسلين لذهبت معاناة أهل غزة أدراج الرياح، ولكن الإعلام نبه الضمير الحي وصنع الإحراج، والصهاينة وإن استخفوا من الضمير الإنساني إلا أن حجم الكارثة يضيق الخناق عليهم، ويفضح ممارساتهم العنصرية، والبغي مصرعه وخيم، (( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ))[الشعراء:227].
5- إن من الاستخفاف بالقضية أن تجر أطراف عديدة إلى دائرة الصراع والاستهداف، وأن يرتبك الناس بين خصومات لا نهاية لها، وأن تجد من يحاول توظيف المأساة الإنسانية لصالح طرف في معادلة سياسية ضد آخر.
القصة بوضوح هي قصة كيان ظالم يبطش ويعربد ويقتل ويهدم ويستبيح، وشعب يواجه النار والحصار والتجويع والاستهانة بالحياة وضرورياتها، من غذاء وكساء ودواء وأمن.
ويجب أن نصمد لهذا التوصيف، وأن نحترم هذا الشعب العظيم، ولا نسمح لجعل قضيته ورقة في صراع بين دول ومشاريع إقليمية ودولية.
6- إن الإيمان بالقدر يعني: الإيمان بالحكمة الربانية وراء ما يجري: (( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ))[آل عمران:140-141].
إن الشهادة اصطفاء، والبلاء رفعة وعز وأجر لمن صبر وصابر، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، ( أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش؛ تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعةً، فقال هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرةً أخرى )، رواه مسلم .
فلما رأى أنه ليس لهم حاجة تركوا! سبحان من يختار للمقامات العليا من عباده من امتحن قلوبهم للتقوى وعلم من صدق سرائرهم ما لم يعلم الناس، حتى ولو كانوا من الأخفياء المجهولين، ويرحل قتلانا وفي الحلق غصة يريدون عمراً ثانياً كي يقاتلوا.
سنهدى كما أهدوا ونشوى كما شووا            فمخزوننا من هذه النار هائل
ولو علمنا سر الله في خلقه وتقديره ما اخترنا إلا ما اختار لنا: (( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ))[البقرة:216]، (( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ))[التغابن:11]، فليكن إيماننا بحكمة الخالق جل وعلا أعظم من إيماننا برأينا وتقديرنا للأمور!
7- ومن الحكمة مدافعة القدر بالقدر، كما قال عمر رضي الله عنه: [ نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله ]. فمن مدافعة القدر، أن نستفرغ وسعنا كله في مساندة المصابين ورفدهم ودعمهم بكل ممكن مقدور، الدعوة الصادقة بظهر الغيب، تفتح لها أبواب السماء، ويقول الجبار تعالى: ( وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين )، حتى لو كانت من كافر أو فاجر مظلوم، فكيف بدعوة المسلم الموحد.
والقنوت في الصلوات، وتوجيه الدعاء على الظالمين أن يحصيهم عدداً ويقتلهم بدداً ولا يبقي منهم أحداً، وأن يرد كيدهم في نحورهم وأن يهزمهم.
الاستغاثة بأسمائه الحسنى واسمه العظيم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب، ولا بد أن في مليار مسلم ونيف من لو أقسم على الله لأبره، ولا يحسن أن تتشتت الناس وتتفرق قلوبهم في تطويل الدعاء والانتقال به إلى موضوعات لا تخص النازلة، فلندع أن يجعل الله المحنة برداً وسلاماً على أهل غزة ، كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
الكلمة الطيبة في قناة أو إذاعة أو مقالة أو جريدة أو موقع أو مجلس أو عند مسئول أو سواه أو على منابر المساجد.
توظيف وسائل الاتصال من مواقع إلكترونية وقوائم بريدية ومنتديات ومحطات.
التبرع بالدم للمصابين. التبرع بالمال والمواد العينية حيث المراكز المفتوحة المخصصة لذلك.
المشاركة بوسائل الاحتجاج في كل بلد بحسبه، وممارسة الضغوط على أصحاب القرار ليتحركوا بشكل صحيح؛ تفاعلاً وتجاوباً ونصرةً لإخوانهم.
8- إن إظهار التجاوب والتفاعل الصادق من المسلمين، لهو من خير ما يدفع عن نفوسنا تبعات الإحباط واليأس والاكتئاب، وكلما شاهدنا صورة إيجابية لفعل نافع تحسنت نفوسنا، وتوازنت مشاعرنا، بدلاً من ألا نرى إلا مشاهد الجثث والأشلاء والقتل والدمار.
9- وطمعنا ألا يطول انتظارنا للقصاص الإلهي العادل من الفاعلين والمتواطئين والمباركين، فـ( إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ).
(( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ))[هود:102]. وإن غداً لناظره قريب.
(( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ))[ص:88]، والعبد يعجل، والله لا يعجل.
10- إن العدوان الإسرائيلي ليس وليد اليوم، وما فتئت إسرائيل تمارس غطرستها على الشعب الأعزل منذ وجدت، وليست بحاجة إلى استفزاز، إنها تعربد وفق ما يحلو لها، ولا يعجزها أن تصنع المسوغات لجرائمها دون مبالاة بأحد.
وإذا كانت اليوم تتحدث عن حماس فقد تحدثت قبل عن فتح وعن المقاومة وعن الفدائيين، والقضية مسئولية كل فلسطيني، وكل عربي، وكل مسلم، بل وكل صاحب ضمير من البشر، فليستح أولئك الذين يكتبون أو يتحدثون بلغة غريبة يبدو معها أن إسرائيل لم تكن لتفعل ما فعلت لولا الاستفزاز، إن هذا المنطق ذاته هو منطق الإسرائيليين أنفسهم، والشعب الفلسطيني شعب واحد، ويجب أن يظل هكذا وأن يتدبر شئونه بنفسه: (( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ))[آل عمران:103]، (( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ))[يوسف:21].