الرئيسة المقالات1424 هـنجاح داعية

نجاح داعية

الذي يقرأ في تاريخ الدعوات، وأسباب نجاحها أو فشلها يجد أن من أهم أسباب النجاح الذي تحرزه دعوة ما أحد أمرين:
1- الحق الذي تحمله هذه الدعوة، فبقدر ما فيها من الحق تكون ملائمة للفطرة، قريبة إلى العقل، وسرعان ما تتقبلها النفوس وتسكن إليها، ولذلك لما سمع الجن كلام الله تعالى يقرءوه رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم رجعوا إلى قومهم يقولون: (( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ))[الجن:2]، بل تحولوا مباشرة إلى منذرين، تتحرك في نفوسهم دوافع الإنذار والبيان والدعوة: (( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ))[الأحقاف:28-31].
و قد يتوفر لبعض أمم الكفر قدر من العدل وحفظ مقامات الحقوق البشرية، مما هو في الأصل من مقاصد الشريعة؛ فيجعل الله لهم من التمكين والبقاء والنفوذ بقدر ذلك كما هو معروف في حقب التاريخ مشاهد من واقع الحياة.
2- والعامل الثاني من عوامل النجاح: ثقة الداعية بدعوته، وإيمانه الراسخ المطلق بأنها الحق الذي لا ريب فيه.
فهنا يتحول إلى قدوة في قوله وفعله، يتحول إلى إمام، (( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ))[السجدة:24]، ولا يملك قارئ هذه الآية الكريمة إلا أن يقف عند هذه الكلمات الأربع: (أَئِمَّةً)، (يَهْدُونَ)، (صَبَرُوا)، (يُوقِنُونَ).
فلكي نكون دعاة صادقين وأئمة هادين مهديين، لا بد من الصبر على الدين، فلا تزحزحنا عنه أو عن بعض عقائده أو أحكامه استخفافات الذين لا يوقنون، ولا بد من اليقين المطلق الذي لا يقبل المراجعة أو الشك بأنه الحق، ونحن هنا لا نتحدث عن الآراء الاجتهادية، ولا عن وجهات النظر الشخصية التي قد يتحول الإيمان المطلق بها إلى نوع من التعصب والهوى والإصرار، وبطر الحق وغمط الناس، لكننا نتحدث عن الدين المنزل: (( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ))[إبراهيم:13].
وقال جل وعلا: (( قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ))[الأعراف:88-89].
وكما يظهر اليقين في أقوالنا، فلا نداور ولا نداهن ولا نماري، ولا يعنينا ما يقوله عنا الآخرون، فنعطيهم إياها صريحة.
إن هذا الدين دين الله، لا يقبل سواه: (( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ))[آل عمران:85]، ونعلنها لهم واضحة: ((كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ))[الممتحنة:4].
فكذلك يجب أن يظهر اليقين في أعمالنا وسلوكنا وأساليب حياتنا، من يحمل الدين الصحيح ويثق بما لديه لا يذهب ليأخذ ما يسقط من موائد الآخرين؟
ليس صحيحًا أن تكون مجتمعاتنا وبيوتنا ومدارسنا وأسواقنا وشاشاتنا ميدانًا استهلاكياً للمنافسة والسباق على بضاعتهم الكاسدة.
وبتجربة عملية يظهر أن الشاب أو الفتاة الذي يعيش الإسلام واقعًا عمليًا بين ظهراني المشركين، وقد اضطر للإقامة بينهم أجدى على الإسلام من مائة خطيب ومتحدث يدعو إلى الإسلام بأقواله، ويحذر منه بأعماله.
في مدينة لورانس في الولايات المتحدة الأمريكية التقينا مسلمًا أمريكيًا أبيض، أسلم من سبع سنوات، وأثنى المسلمون خيرًا على خلقه وسلوكه ونشاطه في الدعوة إلى الله، وهو أستاذ في الجامعة، سألنا عن سبب إسلامه، ولقد كانت فرحتنا كبيرة حين وجدنا في قصته شاهدًا عمليًا ماثلاً للعيان لما كنا نقوله للدعاة: من ضرورة الاعتزاز بالإسلام في تلك المجتمعات عقيدةً وسلوكًا وأحكامًا، وألا نتنازل عن شيء من أجلهم؛ حتى يكون سلوكنا ومنهج حياتنا يصرخ في وجوههم، يدعوهم إلى التأمل والمراجعة وإعادة النظر.
كان هذا الرجل قد فقد الثقة بنصرانيته المحرفة الممسوخة المنسوخة، وبدأ رحلة شاقة في البحث عن الدين الحق، وبحث في ديانات كثيرة فلم يجد فيها غنى، لكنه لم يفكر لحظة في دراسة الإسلام، فقد أسقطه من حسابه منذ البداية؛ بسبب الصورة المشوهة التي رسمتها في عقله أجهزة الإعلام وشعوب الإسلام!
ذات يوم رأى فتاة مسلمة تدرس في الجامعة ملتزمة بحجابها، تتحدى به أمواج التفسخ والتعري والانحلال، ريحانة في وسط النتن، وسأل فعلم أنها مسلمة، وأن الإسلام يأمر بالتستر والتصون وحفظ الجسد عن العيون النهمة والنظرات الجائعة، فكان يقول: انطباعي السابق أن الإسلام يمتهن المرأة ويحتقر شخصيتها؛ لكنني أمام امرأة بلغ اعتزازها مداه، حتى استطاعت أن تتميز بملابسها وهيئتها عن جميع أفراد ذلك المجتمع، غير أنها تعيش في قلبه.
إذًا: فما تلقنته عن الإسلام وموقفه من المرأة غير صحيح..
وهكذا كانت تلك الصدمة سببًا في إفاقته، ثم قادته أخيرًا إلى الإسلام، وقد اقترن هذا المسلم بالفتاة نفسها التي رآها وأسلم بسببها!
حتى المقصرون والمفرطون يستطيعون بالبقية الباقية لديهم من أخلاق الإسلام أن يدعوا الناس إليه، ومن طرائف هذا الباب أن فتاة عربية مسلمة غير ملتزمة تقيم في كندا ، وتعرفت على شاب كندي نصراني، فطلب منها الزواج فرفضت لأنه غير مسلم، فسأل عن الإسلام فأعطته معلومات يسيرة، ولم تكترث بالأمر والله أعلم، لكنه واصل، وذهب إلى بعض المراكز الإسلامية، وبدأ يقرأ بنهم حتى اقتنع بالإسلام وامتلأ قلبه به، وظهر على جوارحه وسلوكه، فأعفى لحيته، وبدأ يحافظ على الجماعة، ويقوم الليل، ثم جاء لصاحبته يطلب يدها؛ فرفضت وقالت: أنت أصبحت الآن متطرفًا! لكنه لم يلتفت إليها.
لماذا نخجل من ديننا؟!
بل لماذا نخجل حتى من عاداتنا التي لا خطأ فيها فنرغب عنها شعورًا بالهزيمة، وتفوق الآخرين؟!

إن هزيمتنا في معركة عسكرية يمكن أن تستبدل بنصر مظفر في معركة تالية، لكن الهزيمة التي لا نصر بعدها هي الهزيمة الداخلية، الهزيمة الروحية.