الرئيسة المقالات1428 هـمن معاني الصوم

من معاني الصوم

للصيام معان عظيمة ومقاصد سامية، لو تأملناها وتفكرنا فيها ملياً لطال عجبنا منها، ولأدركنا مدى عظمة هذا التشريع، وربما ندرك قليلاً منها، ويخفى علينا أكثرها، فمنها:
أولاً: تحقيق معنى العبودية لله تبارك وتعالى والاستسلام له؛ ولهذا كان الصيام أحد أركان الإسلام بالاتفاق، فالإسلام لا يتم إلا بالصيام، والصيام فيه تدريب العبد على الطاعة والامتثال، وتذكيره بأنه عبد لله تبارك وتعالى لا لغيره، ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى العبد أن يأكل في وقت، فلو صام لكان عاصيًا، كما في العيد أو الوصال على الخلاف، وفي أحوال أخرى يأمره سبحانه بالصوم فلو أفطر لكان عاصيًا.
وهكذا يتحقق هذا المعنى في الإحرام أيضاً؛ فالعبد يمنع من أشياء في الإحرام ويؤمر بها في غيره؛ ليتذكر بها أنه عبد لله سبحانه وتعالى يأتمر بأمره ويقف عند حده.
وهذا معنى عظيم لو أن الناس أدركوه وتفطنوا له في عباداتهم، لكان أثره ممتداً في حياتهم كلها، وليس مقصورًا على الأركان المعروفة، فهو يجعل المسلم في أحواله كالجندي الملتزم، الذي يده على الزناد وهو واقف مستعد، إذا أمر أن يقدم أقدم وإذا أمر أن يحجم أحجم.
فالصوم تربية على كمال العبودية لله؛ فالقضية ليست مجرد شهوات وأذواق، بل هي طاعة محضة لله وتنفيذ لأوامره.
والعبودية لله جل جلاله من أعظم مقاصد الصوم، بل ومقاصد العبادات كلها، وكثير من المسلمين يخلّون بهذا المعنى، فقد يلتزمون ببعض العبادات، لكنها فقدت روحها عندهم فأصبحت لا تؤثر فيهم الأثر المطلوب في تحقيق معنى العبودية لله تبارك وتعالى.
ولعمري إن العبودية لله هي الحرية الحقة، فكمال الحرية في كمال العبودية.
ومما زادني شرفاً وتيهاً            وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي            وأن صيرت أحمد لي نبيا
وقال آخر:
أطعت مطامعي فاستعبدتني            ولو أني قنعت لكنت حرا
ثانياً: الصوم مرتبط بالإيمان، فهو عبادة سرية بين العبد وبين ربه؛ فالصائم بإمكانه ألا يصوم إن شاء، سواء بمأكول أو مشروب أو بمجرد النية، وإن أمسك طوال نهاره، وظهر للناس أنه صائم، فامتناع العبد عن المفطرات مع قدرته عليها خفية، دليل استشعاره اليقيني باطلاع ربه على سرائره وخفاياه.
ولو تأملت لوجدت هذا السر الإيماني يجري في سائر العبادات؛ فالوضوء والغسل مثلاً يتطهر بهما العبد من الأحداث، ولو أتى إلى الصلاة دون طهور لما علم به الناس، وكذلك الصلاة بأذكارها من قراءة قرآن وتسبيح في السجود والركوع، يقول المصلي ذلك سراً لا يسمعه من يجاوره، وما طربه إلى ذلك إلا إيمانه العميق بربه الذي يعلم السر وأخفى: (( وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ))[طه:7].

ثالثاً: أنه يربي العبد على التقوى؛ ولهذا قال الله جل جلاله: (( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ))[البقرة:21]؛ لأن الصائم يتذكر أنه لا يشرب ولا يأكل مع أن هذا في الأصل مباح له؛ لأنه مرتبط مع الله سبحانه وتعالى بوعد، فهو ممسك ابتغاء ثواب الله سبحانه، فمن باب أولى أن يكف عن المعاصي التي يعرف أنها محرمة في كل الظروف، وهذا المعنى لو عقله المسلم لعرف سر الصيام ومعناه، فكيف يمسك عن الطعام والشراب مع أنهما مباحان في الأصل، ثم يقبل على الغيبة أو النميمة أو قول الزور أو شهادة الزور.. أو غير ذلك؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) .
فالذي ترك قول الزور وترك العمل به ليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه، وإنما معنى الحديث أن الله جل جلاله لم يشرع الصيام لحاجته إليكم أن تدعوا طعامكم وشرابكم، وإنما شرع الصيام من أجل أن تتدربوا على ترك قول الزور والعمل به، فإذا لم تتركوا قول الزور ولم تتركوا العمل به فأي معنى لصيامكم؟
فإذا لم يحدث الصيام فيكم هذا المعنى فصيامكم حينئذ غير ذي جدوى، لهذه العلة، وهذا معنى لطيف جدًا إذا تأمله الصائم وجده ظاهرًا، فالصوم يربي الإنسان على التقوى، وترك المحرمات كلها من الغيبة والنميمة والفحش والبهتان.. وغيرها من الأخلاق السيئة الرديئة المدمرة للفرد والمجتمع.
رابعاً: الصوم تربية للمجتمع ؛ فالصائم عندما يرى من حوله صياماً يحس بتلاحم المجتمع بجانب عبادي يلتقي عليه الجميع، وهذا من بين الأسباب التي سهل لأجلها صوم الفرض، وصعب فيها صوم النافلة، فصائم رمضان أينما ذهب وجد من حوله صائماً، ويستشعر مشاركة الجميع له، وأنه يقوم بعمل عادي كل الناس يؤدونه بخلاف النافلة، من هنا أيضاً أصبح الصوم تربية للمجتمع، حتى المجتمعات التي يغلب عليها الفساد، تجد آثار رمضان ظاهرة على عمومه، حتى الفساق منهم، وهذا من بركة هذا الشهر وتلك التربية.
خامساً: الصيام يربي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة ؛ فالصائم يترك بعض الأمور الدنيوية تطلعاً إلى ما عند ربه من الأجر والثواب، فمقياس ربحه وخسارته مقياس أخروي، فهو يترك الأكل والشرب والملذات في نهار رمضان انتظاراً للجزاء الحسن، والثواب العظيم يوم القيامة، وفي ذلك أعظم الدروس لتوطين قلب الصائم على الإيمان بالغيب والآخرة والتعلق بها، والترفع عن عاجل ملاذ الدنيا التي تقود إلى التثاقل والإخلاد إلى الأرض، هذا مع وافر أجره في الدنيا ونعيم حياته بصحة البدن وفرح القلب بالطاعة، وانشراح الصدر بالإيمان.
وأصحاب المقاييس المادية لا يرون في الصوم أكثر من حرمان من لذة الأكل والشرب والوقاع، والتي بها سعادة النفس، وتلبية الحاجات الجسمية.
سادساً: الصوم يربي الإنسان على قوة الإرادة، وعلى الصبر؛ فمن أسماء الصوم: الصبر ، ولذلك سمي شهر رمضان شهر الصبر، بل في قول الله جل جلاله: (( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ))[البقرة:45]. قال بعض المفسرين: المقصود بالصبر هنا الصوم، أي: استعينوا بالصوم والصلاة، وذلك لأن الصوم يربي ملكة الصبر وقوة الإرادة، وكثير من الناس يحتاجون دائمًا إلى تقوية في إرادتهم.
والنجاح يفتقر إلى ثلاثة أشياء:
1- الرغبة: فكل إنسان يود أن يكون قويًا، وأن يكون ناجحًا، وموفقًا، وغنيًا.. ونحو ذلك.
2- القوة أو القدرة: فأكثر الناس يملك عقلاً، وجسماً، وإمكانيات لو وظفها لنجح.
3- الإرادة: فتقوية الإرادة من أعظم أسباب النجاح للإنسان في دنياه وأخراه.
والصوم يقوي ذلك كله ويوظفه، ويربي الإنسان على تحمل المشاق في أمور الحياة كلها
، وهو شيء لا يوجد إلا عند الناجحين الذين استطاعوا أن يحققوا هذه الرغبات، من خلال استخدام ما وهبهم ربهم.
سابعاً: الصوم يقمع الشهوة؛ ولهذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء ) فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الصوم يمنع من اندفاع الإنسان إلى الشهوات، وربط بعض أهل العلم هذا الحديث بالحديث الآخر المتفق عليه عند البخاري و مسلم من حديث صفية رضي الله عنها، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم وفي رواية زيادة: ( فضيقوا مجاريه بالجوع أو بالصوم )، لكن هذه الزيادة باطلة ليس لها أصل، ولا تعرف في شيء من كتب الحديث .
فالصوم يقمع الشهوة، وقد يكون قمع الصيام للشهوة بأن يضيق المجاري كما يقول بعض العلماء، وقد يكون وهو الأقرب أن قمع الصوم للشهوة من خلال تلبس الإنسان بعبادة معينة وارتباطه بها، فهذا يمنعه من الاندفاع والنظر الحرام، ويمنعه من الوقوع فيما حرم الله.
ثامناً: الآثار النفسية والبدنية المترتبة عليه، وهي كثيرة جدًا، فقد يتكلم بعض الأطباء عن الصيام وأثره على البدن، وتنظيم الطعام، وأنه نوع من الحمية، وقد يوصي به بعض أهل الطب، ولا شك أن هذه الأشياء من الفوائد التابعة، كما يقال مثل هذا عن الصلاة أو عن الحج .. أو عن غيرها، لكن المسلم في الأصل إنما يتمثل هذه الأشياء تعبدًا لله جل جلاله وطاعة، حتى ولو لم يكن لها فائدة على بدنه، بل لو كان في العبادة ضرر على البدن لكان على الإنسان أن يفعلها، والله سبحانه وتعالى لم يأمرنا بما فيه ضرر إلا في حالة واحدة، وذلك إذا كان يقابله نفع أعظم منه.