الرئيسة المقالات1427 هـمقاصد الحج

مقاصد الحج

يا راحلين إلى منى بقيادي            هيجتم يوم الرحيل فؤادي
سرتم مسار دليلكم يا وحشتي            والعيس أطربني وصوت الحادي
ويلوح لي ما بين زمزم والصفا            عند المقام سمعت صوت منادي
من نال من عرفات نظرة ساعة            نال السرور ونال كل مراد
إن الناس منذ خلقهم الله وهم يضعون لأنفسهم تجمعات تلم شتاتهم في أسواق تجارية، ومجامع أدبية، ومعارض سياحية، ولقاءات كبيرة، قد يجتمع لها الملايين، ولكن هذا كله شيء وذلكم اللقاء الرباني الحج شيء آخر! إن الفرق عظيم، فالحج موسم رباني جاء بنداء جليل من أبي الأنبياء: إبراهيم الخليل عليه السلام، حين أمره الله أن يؤذن في الناس: (( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ))[الحج:27]، فالمنادي هو الله عز وجل، والاستجابة كانت في القلوب، واللقاء الروحي هناك مهيب عظيم، والداعي والحادي هو إبراهيم الخليل، والاقتداء بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأي اجتماع أكبر وأكثر هولاً؟
وحين فرض الله الحج جعل الناس يفدون إليه من كل فج عميق؛ لتوحيد الإنسانية كلها على معنى التوحيد، ودعوتها كلها إلى مبدأ العبودية والطاعة والانقياد: (( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ))[آل عمران:97].
وفي البخاري يقول صلى الله عليه وسلم: ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه )، فالحج دورة إيمانية وعلمية وروحية وأخلاقية ودنيوية مكثفة؛ لتنقية الروح، وتطهير الضمير، وتزكية النفس بربطها بالله سبحانه وتعالى، وإشعارها بمعنى العبودية، وتعويدها على رقي التعامل مع إخواننا المسلمين بالإيثار والمودة والمحبة والتواضع والصبر وإحسان الظن، وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يعلمنا الصبر والرحمة والهدوء، فيقول: ( أيها الناس: السكينة السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع )، أي: ليس بالقوة والصياح والصراخ، بل بالسكينة والرحمة والهدوء، ويا لبلاء المسلمين حين يزهدون باللبس والرفاهية والسعة ثم يضيقون بإخوانهم المسلمين، ويهجمون عليهم بالأيدي والأجسام، وأي معنى لمسلم يقف ليرمي الجمرة وهو يستشعر أن الله تعبده بذلك، ثم يطأ إخوانه المسلمين بقدميه، أو يدوسهم ويدوس معهم كرائم الأخلاق ومبادئ التعامل، ومقاصد الحج التي شرع من أجلها في تحقيق الاجتماع على العبودية، والاجتماع على الحب والرضا والإيمان والتوحيد، وأي مسلم يقدم على نشر الفوضى وخرق النظام والترتيب، ويتقحم كل ما يرى من بشر أو حجر أو شجر ليصل إلى محله أو مكان إقامته، وهو يدري أن الله عز وجل مطلع عليه وشاهد، وأن الحج يصور عبر القنوات الفضائية والوسائل الإعلامية، فتشاهده مليارات الناس من أوروبا و أمريكا و اليابان والشرق والغرب، ليحفظوا هذا الموقف على أنه تجسيد لمعنى الإسلام الذي يعرفونه أو لمعنى الحج.
وهل نستطيع أن نقدم لهم صورة جميلة أو جذابة أو مغرية، من خلال القذارة والقمامات المبعثرة والأيدي المتقاتلة، والشوارع المفترشة والأنانية، وإهمال حقوق الآخرين وقلة الانضباط، فأصبحنا باستمرار نقدم صوراً ومشاهد تصرف الناس عن دين الله وتصدهم عن سبيله!
إن البر ليس بهذا ولا بالإيضاع ولا بإتيان البيوت من ظهورها: (( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ))[البقرة:177].
أيها المؤمنون! إن الحج للإيمان بالله وذكر اسمه في أيام معلومات، ولتعظيم حرمات الله، ومن أعظم حرماته حرمة الدم والمال والضمير والخلق، ولاجتناب قول الزور.
إن الحج ليس لمجرد الحركة، بل لتعظيم شعائر الله، إن المقصود من كل ذلك استحضار معنى العبادة والنسك وإرادة وجه الله تعالى، ومحبة عباده المؤمنين والرحمة بهم، وتعظيم الله بأداء النسك؛ فإن الله لن يصله هذا الصخب والضجيج، بل تصله التقوى والعمل الصالح والنسك: (( لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ))[الحج:37].
و من مقاصد الشريعة حفظ حقوق الناس وأعراضهم، فما بال كثير من الناس ينتهكون هذه الحقوق، وهم متلبسون بأداء النسك، وربما وهم يلبسون الإحرام!
حينما حج رسول الله صلى الله وعليم حجة الوداع خرج إلى عرفة ، وكانت قريش في الجاهلية لا تخرج إلى عرفة؛ لأنها من الحل، أما النبي صلى الله عليه وسلم فألغى هذا؛ لأنه نوع من الطبقية والتمييز، وهذا الدين ينفي كل اعتبار يقتسم فيه الناس إلى طبقات، وقال: (( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ))[الحجرات:13]، فكان لباس الناس الإحرام، أبيض كالثلج لباساً واحداً، وخطب خطبة عظيمة أرسى فيها القواعد الأصلية في هذا المشهد الكبير المشهود، وقدم فيها البيان المكتمل، وعرض أوضح شرح للعناية بالحقوق وتعظيمها، فقال: ( أيها الناس: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، فقال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ثم قال: اللهم هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم فاشهد ).
وبالله عليكم! ماذا يفعل بعض المسلمين الذين يقتل بعضهم بعضاً في مثل هذا البيان العظيم؟
وأي تأويل أو تسويغ أو تفسير يقدمه المبطلون لتبرير قتال داخلي يذهب ضحيته المسلمون، ولا يكسب منه إلا الأعداء المتربصون، فهذه الجرأة اليوم على الدماء تصديقاً لما حذرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ). و من مقاصد الحج حفظ الأعراض من السب والشتم والتنقص والازدراء وقالة السوء، وإشاعته أحياناً بروح دينية وبحماس شديد ، ولقد أحسن العربي المسلم القديم الذي رأى بوادر حرب أهلية إسلامية، فقام بكل وضوح وقال:
ولست مقاتلاً رجلاً يصلي            على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعلي إثمي            معاذ الله من سفه وطيش
أأقتل مسلماً في غير جرم            فليس بنافعي ما عشت عيشي