الرئيسة المقالات1424 هـمرض اسمه: الخوف

مرض اسمه: الخوف

هناك ألوان من الخوف لا أعني الخوف من الله سبحانه وتعالى، وإنما صفة الخوف وغريزته، هناك ألوان منها تدخل في قائمة الإفراط وربما المرض!
‏أولاً: الخجل: الخجل الذي ينتج عن فقدان الإنسان الثقة بنفسه، فهو يرتبك في مقابلة الأشخاص الكبار الذين لا يعرفهم من قبل أو الغرباء ويجف ريقه وينعقد لسانه وربما يقول كلاماً لم يكن في نيته أن يقوله ويغلط غلطاً كبيراً.
وأذكر بهذه المناسبة الطرفة التي ذكرها الذهبي في السير .. وغيره، وهي أن ابن الجصاص دخل يوماً على ابن الفرات الوزير الخاقاني وفي يده بطيخة كافور، فأراد أن يعطيها الوزير ويبصق في دجلة فبصق في وجه الوزير ورمى البطيخة في دجلة، فارتاع الوزير وانزعج ابن الجصاص وتحير، وقال‏:‏ والله العظيم لقد أخطأت وغلطت، أردت أن أبصق في وجهك وأرمي البطيخة في دجلة، فقال له الوزير‏:‏ كذلك فعلت يا جاهل‏! فغلط في الفعل وأخطأ في القول، هذه مواقف يمكن تكون صارخة، لكن هناك مواقف صغيرة تقع لأي واحد منا نتيجة الخجل.
الخجل يحمل الطالب على عدم المشاركة في الفصل، ولعله يعرف الجواب، لكن لا يستطيع أن يقوله ولو أشكل عليه شيء لا يتجرأ على سؤال الأستاذ عن هذا الذي أشكل.
ويحمل الإنسان على عدم التحدث وإلقاء الكلمات أو الدروس أو الخطب في المساجد، أو عدم إمامة المصلين؛ لأنه يشعر إزاء ذلك بقلق كبير وإحساس ضخم جداً بإمكانية الخطأ ولو حصل خطأ يسير؛ فإن هذا الخطأ يدمره نهائياً ويجعل هذا الخطأ بين عينيه لا يمكن أن ينساه أبداً، ويعتبر أن هذا الخطأ هو مقبرة مواهبه وأحلامه.
الخجل يحمل الإنسان على عدم نصح الآخرين أو توجيههم، فقد يرى أحداً ارتكب خطأً وهو يعرف هذا الخطأ ويعرف دليله؛ لكنه لا يتجرأ على أن ينبهه حتى لو كان في مثل سنه أو أصغر أو أكبر؛ لأنه يشعر بفقد الثقة بالنفس .
الخجل يجعل الإنسان لا يستطيع أن يماكس ويفاصل في البيع والشراء والمعاملات التجارية، بل الخجل قد يحمل الإنسان على عدم الرفض عند الأولاد وعند البنات.
أي: قد يسام الإنسان خطة ضيم؛ كما يقال، ويطلب منه ما لا يحمد في خلق أو في دين أو لمصلحته الدنيوية؛ فلا يستطيع أن يرفض؛ لأنه لم يتدرب على أن يقول كلمة: لا.
ولذلك يجاري الناس، ويستطيع الكثيرون أن يضعوه في اتجاه معين يحملونه به على أن يسايرهم، ويوافق على ما يقولون له، وهو بخجله لا يستطيع أن يعترض أو يرفض أو يتأبى.

الخجول يظن أن الأضواء مسلطة عليه، وأن الناس ينظرون إليه، وكلما رأى أحداً يبتسم؛ قال: هذا يضحك مني، وكلما رأى اثنين يتهامسان؛ قال: يتهامسان بشأني، لديه حساسية مفرطة وصعوبة على تحمل المواقف الجادة، هذا نموذج من الخوف الزائد وهو الخجل.
الخجل يمكن أن يقاوم بأساليب، منها:
أ- التدرب: فإن الإنسان إذا تدرب على بعض المواقف؛ استطاع أن يزيل كثيراً من المخاوف التي تصاحبها؛ فيمكن أن يتدرب مثلاً على الإلقاء في بيته، ثم مع مجموعة من أصدقائه، ثم في الحلقة ثم في الفصل في درس التعبير، ثم في بعض مساجد القرى.. وهكذا.
ولو سألت بعض مشاهير الخطباء والدعاة والمتكلمين، والذين يألفون أعواد المنابر عن تجاربهم الصغيرة وبداياتهم؛ لوجدت أنها كانت أشياء يستحى منها، لكنهم هم لم يستحوا أن يصبروا ويتحملوا الموقف الأول والثاني؛ بل وأن يتحدثوا عن هذا حتى يكون عبرة لغيرهم، وألا يكون الخطأ سبباً في القعود واليأس.
ب- التدرج: فإن على الإنسان أن يتدرج في كل شيء، يتدرج في طريقة الإلقاء؛ فأول مرة من الممكن أن تقرأ من كتاب، وعادة الكثيرين بمجرد أن يكون أمامه كتاب يقرؤه، لا يجد صعوبة في هذا الأمر.
الخطوة الثانية: أن تكتب أنت موضوعاً في البيت، ثم تقرأه والورقة أمامك، وهذه أفضل من الأولى.
الخطوة الثالثة: أن تكتب عناصر الموضوع وخطوطه الرئيسة، وتضيف إليه تعليقات وشروح بسيطة من عندك.
الخطوة التالية: هي أن تلقي الموضوع إلقاءً، وتكون حفظته أو قاربت حفظه، وكذلك التدرج في نوع من تخاطبهم، في مستوى المخاطبين، وفي عددهم.. إلى غير ذلك من الأسباب.
ج- ملاحظة الأسوياء والطبيعيين: لأنك حينما تلاحظهم تكتشف أن عندك خطأ معيناً، فلاحظ أن هذا الطالب يخطئ ويضحكون عليه، ثم يشاركهم هو في الضحك، ويذهب إلى كرسيه كأن شيئاً لم يكن، ومن الغد عنده استعداد أن يقوم ويكرر المحاولة مرة أخرى.
لماذا لا أكون أنا مثله أيضاً؟ وملاحظة الأسوياء تحمل الإنسان على أن يحاول أن يتجاوز المشكلة الموجودة عنده.
د- إدراك المواقف على طبيعتها؛ لأن المشكلة أن هذا الإنسان الخجول تصور أن الآخرين يحملون عنه إحساساً معيناً، فربما حمله ذلك على الخجل، لكن لو أدرك أن الناس لا يحسون بما لديه فقد يخطئ، ويتكلم الناس؛ ثم ينتهي الأمر، وإذا الناس قد نسوا وليس إلى الأبد سوف يتحدثون عن خطئه، ثم بعد أسبوع أو أقل بإمكانه أن يجدد المحاولة مرة أخرى.
شيء آخر: لو فرض أنك تكلمت، وظهر عندك ارتباك في الكلام، وتلعثمت شيئاً ما! لا تظن أن الآخرين بالضرورة أدركوا هذا الارتباك الذي عندك.
قد يتصور الآخرون أنك قدمت الموضوع كأفضل ما يمكن أن يكون، ولم يدركوا هذا الارتباك الذي عندك، وهذا أمر معروف ومدروس! إن الناس لا يستطيعون أن يدركوا بالضبط مشاعر المتحدث، وهل هو يشعر بارتباك، أو يشعر باطمئنان.. أو غير ذلك؟! أما إذا كان الإنسان مرتبكاً وظن أن الناس يدركون أنه مرتبك زاد ذلك من ضعفه وانزعاجه.
ثانيًا: الخوف المرضي: ومن نماذج الخوف المرضي المضاعف ما يسمونه بالخوف العصابي أو القلق العصابي، وهناك كتب كثيرة تعالج القلق، ومنها كتاب: دع القلق وابدأ الحياة لـديل كارنيجي، وهذا الكتاب مفيد، وإن كان فيه ثغرات، وقد لخصه الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في رسالة صغيرة بعنوان: الوسائل المفيدة للحياة السعيدة.
وهذا يدل على أن الكتاب فعلاً مفيد، وقد قرأته ووجدت أنه يمكن أن ينصح به، وتجتنب فيه أشياء، فالقلق أو الخوف العصابي ينتج عن توقع خطر في المستقبل يمكن أن يلم بالإنسان منها
:
أ- الخوف من الموت: وهذا يعتبر نوعاً من القلق العصابي، ليس الخوف من الموت مطلقاً؛ لأن الخوف من الموت إذا كان يحمل الإنسان على الطاعة والمسارعة إلى الخيرات والمبادرة بالعمل الصالح؛ فهو محمود، لكن إذا زاد الإحساس بالموت عند بعض الناس، كأن يقول: أنا دائماً أتخيل الموت عند الأكل، عند الشرب، عند معاشرة أهلي عند النوم، عند العمل، علماً أن مجرد الخوف من الموت ليس محموداً، وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد هذا المعنى، وهو يتكلم عن خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن خطبه مجرد نعي الناس، والحديث عن الموت والبلى، وكيف تكون أجسادهم في القبور.. وما أشبه ذلك، وإنما كان فيها المعاني العظيمة، والحث على العلم النافع، وعلى العمل الصالح، وعلى الهدى ودين الحق، ثم ذكر كثيراً من الخطباء المتأخرين الذين حفظوا بعض الرسوم، ونسوا المعاني، والحقائق، وأصبح كثير منهم يتكلمون عن الموت، وكيف يكون الإنسان بعد الموت، وكيف يفعل الدود في بدنه.. وما أشبه ذلك.
ويثيرون لدى الإنسان مخاوف سلبية من الموت، وليست مخاوف إيجابية تحمل الإنسان على العمل، والمبادرة، والطاعة.
مع أن الموت في حد ذاته قد يفرح المؤمن بلقائه أحياناً؛ فعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ).
و محمد إقبال كان يقول:
عادة المؤمن أن يلقى الردى            باسم الوجه سروراً ورضا
ب- الخوف من المرض فتجد ذاك الإنسان يتخوف من الأمراض، فإذا أصابه صداع في رأسه؛ توقع أن هذا ورم في الدماغ.
وبمجرد أن يعرض له عارض، مغص في البطن ظنه فشلاً كلوياً، وهكذا يكون مسكوناً بالخوف من الأمراض الخطيرة.
هذا الخوف من المرض قد يكون مرضاً بحد ذاته، وربما يكون أشد من المرض الذي يتخوفه؛ ولذلك يقولون: إن الحقائق أثبتت أن هناك أناساً ماتوا بالطاعون، وبتحليل أبدانهم وجد أنه لم تدخل أبدانهم جرثومة الطاعون مطلقاً، وإنما شدة الخوف والتوهم ولًدت عندهم هذا الأمر.
ج- الخوف من الفشل، فهناك كثير من الناس إذا هم بعمل مشروع علمي أو عملي، أو تجاري أو دعوي، أو أي شيء آخر؛ فإن المخاوف من الفشل تعوقه عن هذا العمل!
إذا كان خوفاً معتدلاً يحملك على أن تدرس الجدوى، وأن تخطط للموضوع تخطيطاً سليماً، وأن تستشير وألا تتعجل فهذا جيد، أما إذا كان الخوف من الفشل خوفاً مرضياً، قلقاً عصابياً، يجعلك لا تقدم على أي مشروع، ولا تقوم بأي عمل؛ فلا شك أنه حينئذ بحاجة إلى علاج.
ح- الخوف من المسئولية، هناك من الناس من لا يريدون أن يتحملوا مسئولية، فلا يريد أن يتحمل مسئولية الأسرة، ولذلك تجده يؤجل أمر الزواج، لا يريد أن يتحمل مسئولية عمل معين يسند إليه، لا يريد أن يتحمل مسئولية طلاب في حلقة أو درس، لا يريد أن يتحمل مسئولية أحد قط؛ لأنه يخاف من هذا الشعور بالمسئولية.
د- الخوف من التفكير، فإن كثيراً من الناس يخافون أن يفكروا في الأشياء، يخافون أن يحللوا الأمور، يخافون أن يدخلوا إلى أعماقها؛ فيكتفون بالرؤية السطحية، بالنظرة المجردة دون أن يدخلوا إلى العمق، لو أن أحداً منهم قرأ كتاباً مثلاً؛ تجده لا يربي نفسه على أن يفكر في هذا الكتاب، ومضامينه، ومعلوماته، ونتائجه؛ هل هي صحيحة أم لا؟
هل عليها دليل أو لا؟.
هل هي دقيقة علمياً أم أنها ظنون؟
هل فيها إجمال، أم تحتاج إلى نوع من التفصيل؟.
يريد أن يربي نفسه على التلقي المطلق لما يقرأ وما يسمع، سواء من فرد أو من مجموعة أو من مدرسة أو من أسرة، دون أن يكلف نفسه مئونة التفكير والنظر والتعمق في مثل هذه الأشياء.