قل العفو

التدين: فطرة خلقت مع الإنسان، والأخلاق الأصيلة مربع يعرفه الإنسان ويعترف بقيمته في ضميره، و كلما عرفت البشرية مستوى من العلم الرباني اكتشفت شيئاً في ذاتها، وعرفت معنى طفق شعور الإنسان الداخلي ينقب عنه ويبحث في الأرض منذ عرف نفسه.
فالعفوية ترك مجال خصب للأصل السوي في باطن الإنسان أن يجري على سليقته، وأن يمشي حيث لا حمى شرعية تنتهك، ولا حرمات من حقوق البشر تهتك.
فهذا هو الخلق المشترك بين بني الإنسان الذي جاء الدين لإكماله وتهذيبه وتسويته، وليس لمكافحته أو نزعه ومعاكسته، وهو حلف الفضول السلمي الذي حدثنا عنه نبينا عليه السلام بأنه لو دعي إليه لأجاب؛ فكان ندوة وطاولة مشتركة لإقرار الحقوق ورعاية الكرائم، ولإيقاف نزيف الحروب التي تغتال الظالم وأخاه، وتقتل المحارب ومن إلى جواره، وتأكل الرطب واليابس، ففي هذا الحلف الفطري قدر من وقف التكلف الذي غطى أصول البشر العفوية في التعلم المتبادل بأصباغ الحقد والحروب والبغضاء التي يكرهها الله سبحانه وتعالى.. ويدينها الإنسان.
العفوية: إعادة المستوى الصحي والسليم لإنسانية الإنسان بأن يجعل الإنسان تعبيره عن هذا الخلق الكريم والتدين الصادق منسجماً مع طبيعته التي ركبه الله عليها؛ في يسر وسهولة، وكل ميسر لما خلق له.
ولما جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا له تطويل معاذ في الصلاة؛ سأله صلى الله عليه وسلم: ( كيف تقول فى الصلاة؟ قال: أتشهد وأقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن
) رواه أبو داود و ابن ماجه و أحمد في مسنده.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يشق على الرجل بحفظ لا يستطيعه ويعجز عنه، رعاية لحاله، إما لكبر سنه أو ضعف حفظه، أو فوته التعليم، وقد قال له الرجل: ( لا أحسن دندنتك ) فباسطه القول، وآنسه بالرد: ( حولها ندندن )، ولم يلاحقه بوابل من الأسئلة عن قصد نيته، وأن اللفظ موهم محتمل الإساءة، مما قد يقع فيه البعض مع غيره، وإنما تقبل لفظه في سياقه وسباقه، بعيداً عن التكلف، ثم إنه صلى الله عليه وسلم وافقه على أن سؤاله من لب الدعاء الشرعي، فسؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار مما أمر به الأنبياء: (( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ))[الأنبياء:90].
وتبقى العفوية روحاً سارية في تصرفات الفرد والجماعة، شاهدة على أن التدين الفطري العفوي خير من التكلف، وأبعد عن تبعة الرياء وكلفة التجمل ؛ ولذا تجد أن كثيراً ممن أشغلوا أنفسهم بأشكال زائفة من العلوم والمنطق والجدليات اللفظية لا يبقون ظهراً ولا يقطعون أرضاً، فهم يقتتلون حول بئر فارغ، ويركضون على سراب زائف، تركوا فيه الحياة العامة، وقنعوا بالخصام الشكلي، وكانوا أبعد الناس عن نفع الناس، وأكثر الناس خصاماً للناس.. فهذا هو التكلف المذموم.