الرئيسة المقالات1423 هـقراءة في هموم العمل الدعوي (1-3)

قراءة في هموم العمل الدعوي (1-3)

الحمد لله وحده لا شريك له، والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
أما بعد:
فإن الأصل في هذه الأمة الاجتماع على كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا وإن كان هو الأصل الشرعي؛ إلا أن الواقع التاريخي للأمة تمثل فيه كثير من الافتراق والصراع، وهذا شأن تطول قراءته، إلا أننا في هذه المرحلة المعاصرة من تاريخ الأمة يجب أن نقدر طبيعة الواقع الذي نعيشه، وذلك في مشاريع النهضة التصحيحية التي أضحت البشرية اليوم بأشد الحاجة إليها.
والحضارة المعاصرة وإن تمكنت مـن ضبط الحركة العالمية بصورة لا نظير لها في التاريخ؛ إلا أنها تفتقد النظرة الشمولية للإنسان.
وإذا تعاملنا مع هذا الواقع بهدوء؛ أدركنا أن الإسلام وحده هو المؤهل لتقديم الصياغة العامة للبشرية.
وهذه الورقة ذات طابع أخوي إسلامي، نعم! يجب أن نتحدث وأن نكون صرحاء؛ لنتعارف فيما بيننا بشكل أفضل وليعرفنا غيرنا.
إن أخص مشاريع الإعلام الغربي إقصاء الوجود الإسلامي في العالم الإسلامي نفسه، ومحاولة وضع صورة ضبابية على أقل تقدير عن الإسلاميين، ومن حق الإسلام علينا أن نكون واضحين؛ فإن الوضوح من مقدرات البناء والإيمان .
جاءت هذه الورقة؛ لتتحدث عن جملة من المشاعر والاجتهادات في الرؤية المنهجية. جاءت هذه الورقة؛ لتكون بداية أو تأسيساً، لصياغة مشاريع تصحيحية تمثل الرؤية والتطبيق معاً.
العالم الغربي يطرح ورقة العولمة اليوم وهو يمتلك مقدرات، بل ومؤهلات قويـة التأثير، ويحاول أن يوحد شكله الحضاري في رؤية واحدة.
ونحن أهل الإسلام يجب أن نقدم اليوم عولمتنا الإسلامية، وهي رؤية الإسلام للحياة كلها، ألسنا نؤمن برسالة الإسلام وعمومها للبشرية وأبديتها؟!
وحين ننادي بالوحدة الإسلامية لسنا نقع في دائرة التأثير الغربي فنفرض عولمتنا؛ لكونه فرض عولمته، إن الإسلام عالمي من حين بدأ، وهو الرسالة السماوية الباقية للعالم كله: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ))[الأنبياء:107]، (( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ))[يوسف:104].
إن اجتماعنا ليس محاكاة للمحاولة العالمية في مشروع العولمة، لكنه تجديد للأصالة؛ فإن من أصول ديننا الاجتماع: (( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ))[آل عمران:103] .
إن العمل الإسلامي في البلاد الإسلامية أو غير الإسلامية له وجود مؤثر بحمد الله، وهو وإن كان يصطدم بكثير من العقبات؛ إلا أن الله سبحانه يهيئ له أسباب القوامة على الناس، وهذا ما نراه واضحاً في واقع الأمة بحمد الله، وكثيراً ما نتحدث عن معوقات العمل الإسلامي هنا وهناك، ونتحدث عن الصراع مع غير الإسلاميين، ولكني على يقين أن أثر المعوقات داخل الصف أكثر بكثير في التأثير على إنتاجية العمل الإسلامي وقوامته.
وكثيراً ما نتحدث عن الأعداء، وهذا له ما يبرره، لكن يفترض ألا يكون خطونا استجابة لهذا العدو أو ذاك، إنهم يشعرون بالنصر كثيراً حينما يرون أن أصحاب العمل الإسلامي يعرفونهم أكثر من معرفتهم بأنفسهم وواقعهم.
أي نصر يعطيه كثيرون منا لأعدائنا حينما يكون العدو مؤثراً بمجرد ذكر اسمه ولو على المستوى النفسي، وقد ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول أحدنا: تعس الشيطان )!
من أزماتنا اليوم عدم قدرة الكثيرين منا على المعادلة والموازنة الصحيحة، ومع ذلك فإن من الاعتدال أن ندرك أن في الأمة خيراً كثيراً وبركة من رب العالمين .
و يجب أن ندرك أن الإسلاميين اليوم لهم واقع يعترف به العالم كله .
وحين نتحدث عن بعض السلبيات في العمل الإسلامي، فإن هذا يعني الإيمان بالإيجابيات في هذا العمل، وأن واقعنا ليس سلبياً محضاً، كما أنه ليس سليماً من الخطأ والتقصير.
وإذا تأملنا في الجانب السلبي في واقعنا الإسلامي أدركنا أنه ممكن التجاوز، ولا يمثل تعقيداً ذاتياً في أكثر الأحوال، وإن كان الكثير منا ينظرون إليه على أنه كذلك.
إن بعض المشكلات في واقعنا ليس تعقيدها ذاتياً بقدر ما نشارك من حيث نريد أو لا نريد في ترسيم ذاك التعقيد.
يجب أيها الإخوة أن نكون وسطاً كما شرع ربنا لنا ذلك: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ))[البقرة:143] فـ الوسطية هي شريعة الله لهذه الأمة، والحكم على أي قضية يرتبط ارتباطاً ضرورياً بالوسطية ؛ ولهذا جاء قوله: (( لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ))[البقرة:143].
وكما ندرك من سياق الشهادة على الأمم؛ فأحق الناس بهذا العدل والوسطية هم إخواننا المسلمون.
وهذه الورقة لا تتحدث عن مجموعة، أو منهج معين، أو تتخاطب مع واقع في بلد أو إقليم خاص، بل هي حديث ينطلق من المنهج الإسلامي العام المنزل في كتاب الله المشرع، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث يقع تحت هذا المنهج الرباني الخالد المتمثل في هذين المصدرين: القرآن والسنة، فنحن نعترف بإخواننا المسلمين، ولكننا لا نعترف بالخطأ أياً كان مصدره.
وهذه الورقة ليست وصاية تتخاطب مع وحدة منهجية معينة، بل هي جملة من المخاطبات، ولغة من الحوار مع إخواننا في العمل الإسلامي؛ لنحاول أن نتقدم أكثر، وأن نقدم الوعي للجيل الإسلامي القادم الذي ينتظر منا الكثير.
ومن هنا يجب علينا أن نتخلص من أنانيتنا، وخصوصيتنا، وأن ندرك أن الجيل القادم حسب واقع العولمة الغربية يصعب عليه أن لا يرى الصراع محتدماً إلا في التجمعات الإسلامية وحدها، وهذا يعني أن علينا أن نحاول أن نكون على مستوى المسئولية، وأن ندرك حجم التأثير الذي يتمثله المشروع الغربي على شعوبنا المسلمة، وأن هذه الشعوب غير مستعدة، بل غير قادرة على استيعاب لغة الصراع أياً كان مبررها، فيجب أن نمتلك أكثر من لغة، وهذا لا يعني تجاوز المبادئ وإلغاء الصراع الحضاري والديني مع أعداء الأمة، هذه حقيقة مسلمة، لكن يجب أن نتجاوز صراعاتنا الخاصة التي لا تمثل قيمة جادة في أكثر الأحوال والمواقف.
وبعد هذه المقدمة العامة أدخل في أحاديث حوارية بكلمات مرقومة، هي إشارات وتنبيهات لإخواننا في الله أصحاب العمل الإسلامي بأصنافهم العلماء والدعاة، والشباب والعامة.
إنه خطاب دعوي اجتماعي يتناول كل فئات المجتمع أو التجمع الإسلامي، وأسأل الله حسن القصد، وسداد القول.
وإنني لآمل من الأحبة القراء أن يشاركوا في هذه الورقة المتواضعة بتعليقاتهم ومداخلاتهم التي ستثري هذا الموضوع وتكمله وتصوبه، وأخص أهل الرأي والعلم والخبرة.
1/ جاء الإسلام رسالة عامة للبشرية، وهو دين الله الخاتم في هذه الأرض، ويجب علينا أن ندرك هذه القيمة الشرعية لرسالة الإسلام، وأنه يصلح منهجاً لحكم البيئات المختلفة وصياغتها.
ومن أخص الإشكاليات اليوم في التجمعات الإسلامية تشبع كثير منها بالرؤية الإقليمية للإسلام حتى أصبحت هذه الرؤية المخصصة هنا وهناك من موجبات الصراع بين الإسلاميين أنفسهم.
إن كثيراً من المناهج والمشاريع الإسلامية المقدمة اليوم تتأثر بواقعها وظروفها الخاصة أكثر من اللازم، ويصبح التواصل معها خارج هذه الظروف أمراً صعباً، بل تتسارع في بعض الأحوال إلى التواصل التصادمي مع الآخرين.
إن اجتهادنا ضمن دائرة معينة، ولو كان اجتهاداً مشروعاً إلا أنه ليس من الضرورة تصور أنه يمثل الإسلام نفسه الذي من أخص أصوله مناسبته لكل زمان ومكان، ربما كان اجتهاد مجموعة من أصحاب العمل في رسم رؤيتهم الخاصة تحت دلالة الشريعة وعنايتهم الخاصة بالاستدلال يمنحهم تسليماً شعورياً أن رؤيتهم شرعية، وهذا يعني أن التقاطع معها أو الاختلاف يعني التقاطع والاختلاف مع الشريعة نفسها حين لا يدرك هؤلاء الإخوة غلطاً شرعياً في رؤيتهم، فمن غير الممكن السماح لأحد بالاختلاف أو عدم التسليم لهذا الاتجاه، وهذا محل نظر، فربما كان في الاستدلال من أصله خطأ خفي، وربما كانت هذه الرؤية شرعية في واقعها الذي درست فيه، لكن الشريعة لا تقضي بها في كل الأحوال التي تحمل اختلافاً في واقعها.
من المهم أن نعرف أن التقاطع مع خياراتنا الخاصة التي نجتهد في رسمها رسماً شرعياً ليس بالضرورة تقاطعاً مع الشريعة .
صحيح أنه يجب أن نقدم لواقعنا المختلف صياغات تعددية تستوعب هذا الاختلاف، لكن مع اصطحاب الفرق بين الرؤية الخاصة المتناسبة مع واقع خاص، والرؤية الشمولية في التخاطب مع إخواننا المسلمين.
يجب أن ندرك أن الرؤية المكونة من معطيات اجتماعية وتربوية خاصة، إضافة إلى اجتهاد نسبي هي رؤية مؤهلة للتخاطب مع واقع تتمثل فيه مقومات هذه الرؤية، وأن الرؤية الإسلامية الربانية تتجاوز هذا الإطار الخاص.
2/ ومن الامتداد المنهجي هنا أن نقف يسيراً مع إشكالية الموازنة بين النظرية والتطبيق، فـ كثيرون يظنون أن صحة النظرية يعني صحة التطبيق، وهذا وهم ابتلي به كثير من أصحاب العمل الإسلامي اليوم، وربما صح عند كثيرين التلازم بين النظرية والتطبيق في الشمولية والصحة، وغير ذلك .
ولست هنا أريد أن أعطي تقاطعاً بين النظرية والتطبيق، بل المقصود أن العلاقة بينهما غير لازمة إلى حد كبير، وبعبارة أقرب إلى مفهومنا العلمي: إن النظرية أحد مؤهلات التطبيق، لكنها ليست وحدها المرسم له، ولهذا نرى ارتباط التكليف الشرعي بالقدرة والاستطاعة.
إن فقدان الإمكان للتطبيق يعني كثيراً خللاً في المطالبة.
يفترض أن نؤمن بحقيقة شرعية عقلية تعني هذا المعنى، محصلها أن المطالبات الممكنة ليست بالضرورة هي الأفضل من حيث المبادئ النظرية، وحديث بناء الكعبة خير مثال على ذلك، وحتى في أصل التشريع، فإن اقتضاء الأدلة الشرعية للأحكام يكون على وجهين كما ذكره الشاطبي في الموافقات (3/51)، ونحوه في إعلام الموقعين (3/2):
أحدهما: الاقتضاء الأصلي قبل طروء العوارض، وهو الواقع على العمل مجرداً عن التوابع والإضافات، كالحكم بإباحة الصيد والبيع والإجارة وسن النكاح وندب الصدقات غير الزكاة، وما أشبه ذلك.
والثاني: الاقتضاء التبعي، وهو الواقع على المحل، مع اعتبار التوابع والإضافات، كالحكم بإباحة النكاح لمن لا أرب له في النساء، ووجوبه على من خشي العنت، وكراهية الصيد لمن قصد به اللهو، وكراهية الصلاة لمن حضره الطعام، أو لمن يدافعه الأخبثان.
وبالجملة: كل ما اختلف حكمه الأصلي لاقتران أمر خارجي.
إننا نؤمن بأهمية التناسب بين النظرية والتطبيق، ولئن كانت النظرية تؤثر في التطبيق، فمن المنطقي ونحن نضع نظرية اجتهادية في أي مجال: دعوي، اجتماعي، أخلاقي، اقتصادي، أن نحاول الاعتراف بالتطبيق، بمعنى أن نقدم نظريات تطبيقية، أي: يتدخل التطبيق في صياغة شكل النظرية، وأقف مع هذا أكثر في الامتداد الثالث:
3/ من غير المنطقي أن تضع نظرية أو رؤية في أي مجال تأثيري في التربية، في المنهج العلمي، في المنهج الحركي، في الدعوة وحركتها، أو غير ذلك، وأنت لا ترى إمكانية التطبيق لهذه الرؤية أو النظرية، و من حكمة التشريع أن أصول الدين توحيد الله، والإيمان به وبرسله.. ونحوها، لا يمكن أن تقع تحت عدم الإمكان؛ ولهذا اتفقت عليها الرسل والأنبياء، وخوطب بها سائر بني آدم .
إن من الأزمات اليوم أن ثمت كماً كبيراً من النظريات المجردة غير المؤهلة للتطبيق أو القابلة له، وكثير من أصحاب العمل الإسلامي اليوم يواجهون هذه الإشكالية، وربما تجاوز كثير منهم هذا بالإصرار على الصراع مع الواقع لفرض نظرية، أو رؤية اجتهادية، وربما قضى الكثير من الوقت في هذه الدائرة، وحاول تهدئة نفسه بشعور مجاهدة يتمثل في هذا الصراع.
وهنا يقع تمكين الأزمة وتعميقها، وهو حين يلقي بشكل عفوي أو حماسي جلباباً شرعياً على مشكلة منتجة طارئة يجعل الاحتكاك بها أو محاولة كشفها وتصحيحها نوعاً من العدوان على قداسة شرعية.
إن التصحيح الإسلامي في أي مجال يجب ألا يكون متعالياً على الواقع، إن هذه القضية ذات تعقيد نفسي أكثر من كونها ذات تعقيد معرفي أو عقدي .
هناك نصوص شرعية كثيرة في ذكر الطائفة الناجية إلى قيام الساعة، فيأخذها كثيرون بغير فقه مع ما عشقوه في نفوسهم من الصفائية الخاصة، ثم يقدمون رؤية صفائية ذات طابع خصوصي، وترسيم اجتهادي، وتكون هذه الرؤية متعالية على الواقع ، وربما مثلت لمجموعة معينة نوعاً من الاصطفاء الشرعي الخاص يتجاوزون بها واقعهم ومجتمعهم، وربما الأمة بنوع من الاعتذار النفسي كتصنيف الأمة التي لا تتعامل مع هذا الرأي الخاص تصنيفاً عقدياً، أو اجتماعياً أو نحو ذلك، قد يكون شيء من ذلك صحيحاً، لكن من الصعب إلزام الناس الخطأ وتعويق تجاوزهم له.
والفرقة الناجية التي خصها الرسول صلى الله عليه وسلم منهجها هو منهج الإسلام الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم، أي: أنها هي التي تمثل الوضوح الإسلامي، ومن خصائصه إمكانية تطبيقه في كل زمان ومكان.
يفترض أيها الإخوة أن نكون واقعيين، وهذا لا يعني أن نتجاوز القواعد الشرعية من أجل الواقع .
إن الإسلام جاء ليحكم على الواقع ويقدم التصحيح، وفي حديث بناء الكعبة على قواعد إبراهيم السابق إشارة إلى الرؤية الشرعية النظرية المجردة، إلحاق الحجر، فتح بابين للكعبة .. إلخ، جنباً إلى جنب مع الرؤية الشرعية العملية الواقعية، بقاء الكعبة على ما هي عليه إلى اليوم وإلى أن يشاء الله، وكلاهما دين وشريعة، فما تمناه صلى الله عليه وسلم كان شريعة، وما فعله من تركها على ما هي عليه مراعاة لواقع معين هو شريعة أيضاً، وأمثال هذا كثير.
فهكذا يجب أن ندرك ونفكر، لكن مع هذا ليس من الحق أن نضع امتيازنا على حساب أمتنا التي مر عليها تاريخ طويل من الصراع، والضعف والجهل بالشريعة، مع التسلط الثقافي الغربي المعاصر .
وأنتقل إلى إيضاح ذلك في الامتداد الرابع إن شاء الله.