الرئيسة المقالات1429 هـفقه الحقوق 2-2

فقه الحقوق 2-2

ومن ذلك: الموازنة بين المدافعة السلمية والمدافعة بالقتال، فإن حمل الناس على العزائم ينجم عنه مشقة فوق المستطاع، خاصة إذا طالت وامتد أمدها ، وقد يحتمل الناس الضر أياماً أو أسابيع، لكن إذا كانت حرباً شعواء تمتد لسنين طوال، فهذا مما لا طاقة لهم به، خاصة إذا كان في الأمر مندوحة، وتوفرت خيارات عديدة من المدافعة السلمية أو الممانعة الذكية، وقد جاء في صحيح مسلم ( أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر الطائف فلم تفتح له، فقال لأصحابه: إنا قافلون غداً، فقالوا: يا رسول الله، نرجع ولم نفتحها؟!
فتركهم يوماً فأصابتهم جراح، فقال صلى الله عليه وسلم: إنا قافلون غداً، فأعجبهم ذلك، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم
).
إن القيادات الشابة قد تتعسف الطريق أحياناً، ولا تستحضر معاناة الكبار والصغار، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ( يا معاذ أفتان أنت؟ )، وهذا في شأن إطالة صلاة فريضة، وقال عليه الصلاة والسلام: ( إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء ).
وهذا درس عظيم في الموازنة بين عمل الفرد وفرد الجماعة، وحق النفس وحق المجتمع، فـ قد يحمل المرء نفسه على عزائم يطيقها أو يستلذها، ولكن هذا لا يسوغ حمل الناس عليها، والناس درجات في صبرهم واحتمالهم، فمقتضى الحكمة ألا يحملوا على المشاق والصعاب.
ومن هذا: الموازنة بين التميز والاندماج في المجتمعات الغربية، فإنه يقع كثير من التردد لدى المجموعات الإسلامية هناك؛ إذ يصير بعضهم إلى الذوبان التام وفقدان الهوية والخصوصية الإسلامية، ويصير آخرون إلى إفراط في التميز يحملهم على المشقات والتكاليف الباهظة، ويحول دون التأثر الإيجابي، أو التأثير الإيجابي، وربما فعل بعضهم هذا بضرب من التفقه أو التسنن، حتى إني رأيت بعض الشباب المقيمين في مجتمعات مفتوحة ترحب بهم، ولا تأنف منهم، وتحميهم، وتقدم لهم سائر الحقوق، وهم لا يفتئون يرددون نقولاً وأقوالاً وروايات، ولا يفقهون أسانيدها ولا متونها ولا تطبيقاتها!!
قال لي أحدهم عن حديث: ( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين )، فقلت له: رواه النسائي وهو حديث مرسل .
فطفق يصححه وينقل كلام بعض الأئمة، فقلت له: فما مقامك هنا، وأنت إنما تستكثر من الحجج على نفسك، وما أتيت داعياً، ولا مصلحاً، ولا تاجراً، ولا فاراً بدينك؟ فعد إلى مأمنك، ودع عنك الأقاويل.
القيادات الإسلامية مسئولة عن الرقي بأتباعها، أو بمن شاء منهم، إلى مستوى الوعي والتعارف، قال الله تعالى: (( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ))[الحجرات:13]، والتعايش الناضج مع المجتمعات، والانفتاح الرشيد على خصائصها الحسنة، كالنظام والذوق العام والقيم الجمالية، والفهم لطبائعها ومداخلها، والحذر والتوقي من سلبياتها وعيوبها، وأن تقدم نموذجاً عملياً صادقاً لما تدعو إليه، بدلاً من الانهماك في المهاترات والجدل والقيل والقال الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه.
ومن ذلك: معرفة حق الثابت، وحق المتحول، أو حق الضروري القطعي، وحق الاجتهادي الظني، أو حق الأصول وحق الفروع، والذي يجمع هذه الجملة قوله سبحانه وتعالى: (( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ))[إبراهيم:24-25]، فقرر الأصل وسماه الثابت، وهو أصل الدين الجامع الذي به قوام الملة واجتماع الأمة، من الأركان الخمسة، والأركان الستة، والإحسان، ومكارم الأخلاق، وأصول المحرمات المجمع عليها، أو كما قال بعض الظرفاء: 5+6+1-7، يعني: (أركان الإسلام + أركان الإيمان + ركن الإحسان - السبع الموبقات .
وبين الفرع الذي في السماء، وهو متصل بالأصل يقيناً، كاتصال فروع الشجرة بأصلها، ولكن الريح تفيئه مرة وتقيمه أخرى، وهو عرضة للتغيير، ولو ذبل بعضه لنبت ما هو مثله أو خير منه، وهذا من إعجاز الأمثال في القرآن الكريم، فإن الحديث المفصل عن هذا المعنى لا يكاد ينتهي، وسبحان من أنزل الكتاب هدى وبياناً، وحجة على الناس أجمعين.
والموازنة هنا تقتضي ألا يقوم الفرع مقام الأصل، فيصبح سبباً للخلاف، أو معقداً للولاء والبراء، أو مثاراً للجدل والعراك، وألا يقوم الأصل مكان الفرع، فيصير غرضاً للتغير والتبديل والتلاعب، وألا ينفصل الفرع عن الأصل، ولا يعرى الأصل من الفرع.
ومن ذلك: الموازنة في تعددية الانتماء، بين حق الأسرة، وحق الجماعة، وحق المجتمع، وحق الوطن، وحق القطر، وحق القبيلة، وحق المذهب، فلا يلغي شيئاً منها، ولا يوغل في تحقيقه بما يجور على سواه، ولا يعتبر الانتساب لشيء مما هو منها مباح، نقضاً لانتساب آخر هو مباح أو مطلوب أيضاً.
وأخيراً: الموازنة بين الواقع والتعامل الإيجابي مع متغيراته ومتطلباته وحوادثه، وبين التاريخ الملهم، فمن غير الصواب أن يعيش قوم في التاريخ، وكأنه لا يربطهم بواقعهم شيء، أو أن يفهموا بعض حوادث التاريخ ووقائعه أكثر مما يفهمون سياقات الحال القائم بينهم، أو أن يتغنوا بالتاريخ، وكأن هذا التغني هو الإنجاز الذي يقدرونه ويستطيعونه، أو أن يدخلوا التاريخ في مقارنات مع واقع الشعوب المختلفة، فإذا جاءتنا تلك الشعوب بإنجازاتها المشهودة، وعلمها الآني، وحضارتها القائمة جئناهم بشواهد التاريخ، واعتقدنا أن الفلج من نصيبنا:
لسنا وإن أحسابنا كرمت            ممن على الأحساب يتكل
نبني كما كانت أوائلنا            تبني ونفعل مثل ما فعلوا
بل ومن التوازن: التوازن بين التاريخ والواقع من جهة، وبين المستقبل المنشود من جهة أخرى، فإن استشراف المستقبل علم وضرورة وديانة، والسعي والتخطيط مطلب، والتفاؤل المشرق هو الحادي ، و ليس يصح أن تأخذنا الهموم اليومية والمشكلات التفصيلية عن الأمل الصادق ببناء نهضة تجدد مجد الأمة، وتقيلها من عثرتها، وترسم لها دورها الضخم على رأس القائمة، لا استفراداً ولا إقصاء، ولكن حضوراً ومشاركة وجدارة .
إن هذه النظرة الثلاثية المتوازنة (التاريخ -الحاضر - المستقبل) من شأنها أن تربطنا بأسسنا الحضارية والقيمية والأخلاقية التي تميزنا عن سوانا، وأن تجعلنا أمام تجربة تاريخية سامقة، تدل على القدرة والإمكان، وما حدث مرة يمكن أن يحدث مرات، وترفع حالة الإحباط واليأس والقنوط التي يصنعها الواقع الأليم، وتفتح آفاق الإبداع والتجديد والتطلع للمعرفة والتصنيع والمشاريع التي تتمحور حولها هموم المخلصين وآمالهم، وتمنحنا الثقة بالإله العظيم الذي إذا أراد شيئاً يسر أسبابه ، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.