الرئيسة المقالات1430 هـلماذا لا ترد

لماذا لا ترد

حين ترمي حجراً في الماء الراكد لا يجب عليك أن تقف لتتأمل الدوائر المنداحة من وقع الحجر متعاقبة إلى نهايتها؛ إلا إذا كنت رميت الحجر لتراقب ما يحدث بعده!
سألني غير واحد عبر عشرين سنة أو تزيد: لماذا لا ترد على مخالفيك، وتفند حججهم، وتبين وجهة نظرك؟
وهل هذا يعني تجاهلهم والإعراض عنهم؟
كلا يا أيها السائل الكريم، إن خلاصة ما أحب أن أوصله إليك بهذا الخصوص هو ما يلي:
(1) إذا كان لديك أعمال عديدة؛ فمن الصعب أن تتوقف بعد كل عمل لتنظر ماذا يقال، ثم تجمعه، وتبدأ بالرد عليه بالموافقة أو بالرفض، إن اندماجك في مشروع آخر .. مقال .. كتاب .. برنامج مؤسسة.. إلخ، هو عمل أكثر إيجابية، وأكثر جدوى.
(2) لا تستعجل بالرد على مخالفيك؛ لأنك حينئذ سترد رد المغضب المنفعل المتحمس لرأيه، أعط الوقت حقه، وامنح نفسك شيئاً من الهدوء، ومن الانفصال عن جو الفكرة التي رقمتها، وأن تبتعد عنها قليلاً لتتمكن من الحياد في قراءة الردود وتقبلها، ولئلا يكون ردك مجرد صدى سلبي معاكس لما يقوله الآخرون، ولئلا تكذب بحق، أو تصدق بباطل.
ردك السريع يحرمك من إدراك الصواب فيما يقوله الآخرون، ولو كان جزئياً أو قليلاً ، وخاصة إذا كان محجوباً بلغة حادة، أو موقفاً مسبقاً ذي طابع شخصي، والحكمة ضالة المؤمن، وأنت المستفيد الأعظم من اقتباس الحق من أي كان، وقد قال الهدهد لـسليمان : (( أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ))[النمل:22].
(3) ليس من الصواب الظن بأن كل أمر يجب أن ينتهي الناس فيه إلى نهاية واحدة، بل الناس كما حكى عنهم ربهم جل وتعالى: (( وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ))[هود:118-119]؛ فـ الاختلاف قدر لا حيلة في دفعه، وقد جرت سنة الله أن يختلف الأنبياء داود و سليمان، موسى و محمد، موسى و الخضر، والملائكة في قاتل التسعة والتسعين نفساً، والصحابة أبو بكر و عمر، والأئمة الأربعة، والعشرة، وسواهم..
فلا ضير أن تبقى بعض المسائل مفتوحة لأكثر من قول، قلت فيها أنت رأياً، وقال غيرك رأياً، فهل من المحتم أن تعقد مجلساً للمناظرة، أو صفحة إلكترونية، ثم تستفرغ وسعكما في الحوار، حتى ينقطع أحدكما ويعلن عجزه؟! كلا.
والغالب أن معك شيئاً من الحق، ومع خصمك شيئاً منه، وقد تكون العبارات مجملة، أو يتعامل القراء معها بقدر من الانفعال؛ فيحملونها ما لا تحتمل، ومع الوقت تعود العبارات إلى هدوئها، ويذهب وحر الصدر..
(4) ومن المسلم به أن المرء إذا زل أو أخطأ ثم ظهر له صواب راجعه، فالحق قديم؛ كما قال عمر : و الشجاعة الأدبية تتطلب أن يوضح المرء موقفه في اللحظة المناسبة، وباللغة المناسبة ، و الرجوع إلى الحق لا يزيد المرء إلا رفعة عند من يعقلون .
إن من الصدق أن أقول: إنني أكن الاحترام لكل من خالفني، كما أكنه لكل من وافقني، وأقدر حتى أولئك الذين يشتدون أو يقسون؛ لأن دافعهم هو الغيرة غالباً، وهم إن تلطفوا أهل للشكر؛ لأنهم يساعدوننا في الوصول إلى الحقيقة، وإن أغلظوا يستحقون الشكر أيضاً؛ لأنهم يدربوننا على الصبر والمصابرة .
كم أنا مدين لأقلام طريرة كحد السيف؛ علمتني كيف أمضي في طريقي، مبتسماً هادئاً، مستعداً لأقتبس منها، كما أقتبس من غيرها، متجاوزاً ما زلت به عباراتها، لأنني المنتفع الأعظم من كل معرفة أو حكمة أو صواب هداني إليه ربي بواسطة عبد من عباده.
أما المسألة ففيها قولان، أو ثلاثة، وإن شئت فأربعة، ولكل قول حجته، وفيها الضعيف والقوي، والراجح والمرجوح، وهي أمور نسبية تختلف من إنسان لآخر.. وسيظل الجدل فيها قائماً ما دام العلم منشوراً والخير مشهوراً في الأمة.
لا حرج عليك أن تصدع برأيك، ولا حرج على أخيك أن يخالفك الرأي، ولا على الناس أن ينقسموا بين هذا وهذا، شريطة ألا يتحول الأمر إلى استقطاب وتحزب وفرق مفترقة يغير بعضها على بعض، وتتسارع لحشد الأنصار والموافقين وكأنها أمام معركة الحياة الكبرى، أو مفصل الحق والباطل.
اللهم رب جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.