الرئيسة المقالات1423 هـعلمها عند ربي

علمها عند ربي

حينما كنت أهم بإعداد مادة لمقالي هذا الأسبوع، كان الموضوع الحاضر في الذهن هو أحاديث الفتن والطريقة السليمة لقراءتها والتعامل معها.
وقد حسم هذا الخيار مجموعة من رسائل الإخوة الأفاضل تستفسر عن مثل هذه الأقاويل المتناقلة في المواقع والمنتديات، ونصيبها من الصدق.. وكيف الموقف منها ومن مثيلاتها.
وقد جاء في السنة طائفة كبيرة اصطلح على تسميته بأحاديث الفتن، وهي تتعلق بأخبار آخر الزمان وما يقع فيه، والقتال والملاحم ونحو هذا.
ويلحظ أولاً: أن في هذا الباب الصحيح وغيره، والضعف عليها أغلب، ولذا تجد الكتب المتخصصة في الفتن مظنة للضعيف، ككتاب نعيم بن حماد و أبي عمرو الداني و ابن كثير وغيرهم كثير، وإن كان يقع فيها الصحيح، وفي البخاري و مسلم طرف وافر من ذلك .
و التحقق من صحة الحديث شرط في اعتباره، وإن كان السياق المتعلق بالاعتقاد أو بالحلال والحرام، والأصول عامة أوكد في التحري من أبواب الفضائل والفتن والسير وغيرها .
لكن يقع لبعض القراء تساهل مرذول في سوق روايات التوراة و الإنجيل و سفر دانيال وكتب التنجيم والتنبؤات جنباً إلى جنب مع الأحاديث النبوية، بزعم أنها تعززها، وهذا يكشف هشاشة المنهج العلمي لدى الكثيرين وخضوعه للذوق والعاطفية.
ثم إن فهم هذا الذي صح منها وتنزيله على محله هو من المواقع الخطرة التي يستزل الشيطان فيها بعض المؤمنين.
وإذا كان الخلاف يقع في المسائل العلمية الظاهرة فكيف بالمسائل الغيبية المستقبلية الغامضة؟!
لكن يقع أن بعض المتورعين عن الخوض في مسائل الفروع البينة بحجة أن لا علم لديهم، ويهجمون على اللون الآخر بلا تأن ولا روية، ولا يستحضرون هيبة الشريعة فيها كما يستحضرونها في غيرها، وقد كان من الشراح وأهل العلم السابقين من يقع لهم نوع استعجال في بعض علامات الساعة وأشراطها، ربما بسبب قوة اليقين وقصر الأمل، ولكن لا يتعدى هذا لديهم الاستعداد للمعاد وذم أهل الزمان ونحو هذا .
لكن لم يتجرأ أحد ممن يعتد به في تحديد التواريخ وتقحم حرمة الغيب وتعريض نصوص الوحي للبس والريبة والشك لدى عوام المسلمين. وهذه ثانية.
أما الثالثة: فإن أحاديث الفتن لا تنسخ المحكم من الشريعة، بل المؤمن مطالب بالعمل به، وإجرائه على وجهه حتى يقوم يقين قاطع بخلافه .
و جانب الأصل قوي ثابت عزيز لا ينتقل عنه إلا بمثله ، و ليس من التقيد بسلطان الشريعة أن يدع المرء مخالطة الناس وأمرهم ونهيهم وتعليمهم اتكاءً على أحاديث الاعتزال عند فساد الزمان مثلاً لمجرد شعور عارض، وإن كان هذا قد يقع بالنظر إلى حال شخص بعينه، أو في زمان ومكان خاص، وليس بالنظر إلى عموم الأمة .
فمن الخلل البين أن تبنى مواقف دعم ومساندة، أو انقطاع وإغفال، أو حمد أو ذم، أو غير هذا لمجرد خاطر عرض في الذهن، أن هذا قد يكون هو ما أخبرت به الأحاديث، بل يبنى هذا على قاعدة الشريعة في الولاء والبراء والحب والنصرة والمصلحة ونحو ذلك.
ورابعاً: فإن هذا الباب مزلة أقدام ومضلة أفهام كما قيل، ولا يحسن التشاغل به إلا للحذاق المتقنين من علماء الحديث والسنة والفقه في الدين.
و بعض الكتبة صيروا أحاديث الفتن وأشراط الساعة كتركيبة لعب الأطفال يحاولها من هنا ومن هنا حتى يبدو له أنها طاوعته وأذعنت له، ويختصر بهذا بحوثاً عريضة في تحديد الأشراط وتمييز كبيرها من صغيرها، وترتيب حدوثها وتسلسلها، وتثبيت صحيحها من سقيمها .
ولست أرى وجهاً من الأهمية للإلحاح على هذه المسائل سوى استعجال الغيب، والبرم بالواقع، والنقص في تحري الأسباب الصحيحة، وضعف التوكل على الله.
إن ثمة مقامات حصينة ذات خطورة بالغة، يجب الحذر من مقاربتها لئلا يلتبس على الناس دينهم، مثل دعوى الساعة ومحاولة تحديدها.
ولا يغني في ذلك دعوى إجماع المؤرخين على أعمار الأمم السابقة، فمن نقل هذا الإجماع؟ وما مدى صحته؟ وما مدى دقته، وقد جرت عادتهم على جبر الكسور والاكتفاء بالرقم الكلي، والاختلاف في أصول بعض الحوادث التاريخية، وترتيب بعثة بعض الأنبياء.
وهل إجماع المؤرخين يدخل في الاستدلال الشرعي؟!
ولا يغني أن يقول أحد: إن أبعد حد لقيام الساعة هو نهاية القرن مثلاً، وأقرب حد هو غداً؛ لأن معناه أن الناس الذين قد يشهدون نهاية القرن سيقطعون بأن الساعة بالنسبة لهم تقع غداً.
إن المحكم من كتاب الله تعالى لم يدع مجالاً للادعاء أو التلصص على هذا الغيب الرباني المغلق.
قال تعالى: (( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ))[الأعراف:187].
ومثل هذا المعنى في سورة يوسف (107)، والنحل (77)، ولقمان (34)، والأحزاب (63)، وفصلت (47)، والزخرف (85)، وغيرها.
فهل ننتظر بياناً أشفى وأكفى من هذا، أو نهياً وزجراً عن التعرض لمقام الغيب بمحاولة أو ادعاء؟
ويقول سبحانه وتعالى: (( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ))[طه:15].
قال جماعة من أهل التفسير: [ أكاد أخفيها من نفسي ].
وهذا منقول عن ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد وآخرين.
وقرأ ابن مسعود و أبي بن كعب وغيرهم: [ أكاد أخفيها من نفسي ].
قال الفراء : المعنى: فكيف أظهركم عليها؟
وقال المبرد : وهذا على عادة العرب؛ فإنهم يقولون إذا بالغوا في كتمان الشيء: كتمته حتى من نفسي، أي: لم أطلع عليه أحداً.
والنصوص القرآنية في هذا الباب متوافرة ظاهرة المعنى، فكيف يغفل عنها أهل القرآن ويتلبسهم وهمٌ ليس له أثارة من علم ولا هدى ولا كتاب منير؟!
أو لست ترى من العجب أن يحصل لبعض أهل الإسلام شكوك في هذه المسائل تتردد على عقولهم فيبدؤون فيها ويعيدون حتى يظنوها من اليقين، ولأدنى ملابسة أو شبهة، وما هي من اليقين بسبيل، ثم قد يضعف يقينهم في مسائل ضرورية محكمة تعبدوا باعتقادها علماً، أو بإيقاعها عملاً.
أتراهم انساقوا مع ما عليه بعض أهل الكتاب من الولع بالغيب والتعلق بالنبؤات العقلية المجردة، واللهث وراء الخرص والحدس، وتوقع المفاجآت الخارقة، مع العزوف عن الأسباب؟
فما بالهم إذا لم يحذوا حذوهم في امتلاك ناصية العلم واكتشاف السنن والنواميس المودعة في الطبيعة والكون وتسخيرها لتحقيق خدمة الناس، وتسهيل مصالحهم أو تحصيل القوة التي بها يحمون ديارهم وذمارهم؟
أم تراه اليأس والإحباط الذي استولى على النفوس فلم يعد لديها همة أو طموح أو تطلع في العمل والمدافعة والإصلاح، وصارت تكتفي بالترقب والانتظار، وكأن لا بارقة أمل في الوجود، ولا وميض نور في الأفق فلنخلد إلى حلم لذيذ ندافع به مرارة الواقع.
إن المؤمن الصادق هو الأولى بالصبر والمصابرة والمدافعة وتفجير شلالات الأمل في ظلمات القنوط (( إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ ))[يوسف:87] .
فلتعظم ثقتنا بربنا، ولنصحح فهمنا لديننا، ولنصدق في تحقيقه، ثم لا يضيرنا ما وراء ذلك، فالله هو المستعان.