الرئيسة المقالات1427 هـعلماء الإسلام والعصر (3-3)

علماء الإسلام والعصر (3-3)

لقد ولد هذا العصر الحديث ألواناً هائلة من الآليات والآلات والتقنيات المعاصرة المحايدة، وليس من صالح المسلمين وينبغي أن لا يكون مطلباً لهم صناعة الصراع واستغلال هذه الأشياء لإذكاء روح الصراع، لكننا حين نساق إليه بغير اختيارنا فمن حقنا الدفاع عن حقوقنا وأراضينا وأنفسنا، هكذا علمنا الإسلام: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تتمنوا لقاء العدو، ولكن إذا لقيتموهم فاصبروا ).
ومن واجب العلماء أن يكون لهم دور واضح في حماية المسلمين والدفاع عنهم، وربط المقاومة بالأصول الشرعية والحقوق الأخلاقية، في توجيهه وإرشاده، لكي لا ينحرف أو يزل عن مساره، فربما تحول إلى شهوة الصدام والصراع بحد ذاته، وينتقل من كونه عملاً مدروساً يقع في موقعه المناسب إلى ضربات جنونية لا تستثني أحداً حتى نفسها، ولكي تكون المقاومة الإسلامية متصلة بمنظومة كاملة تتعلق بحياة الأمة، وليست مجهوداً فردياً مشتتاً ربما في النهاية لا يصنع شيئاً كثيراً للأمة، ولو صنع بعض الضرر لعدوه، ويتحول من تحرير الإنسان إلى مجرد تحرير الأرض فقط.
وعند تأمل العمل الإسلامي والجهد المبذول فيه يمكنني ملاحظة حشد الاجتهاد والعمل في المجال السياسي، بمعنى أن العمل الإسلامي قد يبالغ في ترسيم السياسة، وتحضير وتقديم الجانب السياسي إلى درجة أن يصبح ذلك حاكماً على كل الجهد الإسلامي، بينما العمل الإسلامي أوسع من ذلك وأعمق، فهو عمل معرفي علمي، واجتماعي، واقتصادي، وتنموي، وحضاري، وإيماني تعبدي، وإعلامي، وسياسي أيضاً ، وحتى الواجبات الشرعية المتعلقة بالسياسة هي منوطة بالمصلحة، فيمكن الحصول عليها بطرق مختلفة في ظل التقنية الإعلامية والتطور الاتصالي الهائل، وهذا لا يعني إغفال هذا الجانب السياسي، بل يعني رده إلى نصابه المعتدل .
لقد آن الأوان لأن يتخلص العمل الإسلامي من تبعة ظروف النشأة، ومن العقد التي لازمته في بداياته وبواكيره لينطلق إلى الناس وهو خلي البال من المشاكل الداخلية والعقد، شجي بهموم الناس وشئونهم وقضاياهم .
لقد نشأ العمل الإسلامي بهذا الشكل الحديث والصورة الحالية أيام سقوط الدولة العثمانية، ولهذا حمل معه سمات تلك الظروف التي توصف بالقلق والحزن، وارتباط قضية الحكم والسياسة والخلافة في الخيال الإسلامي مما أورثته هماً سياسياً ثقيلاً، بينما يمكن أن ننظر إلى قضية العمل الإسلامي في نطاقه الواسع، وأن تأخذ قضية السياسة محلها الطبيعي من غير إفراط، ودون أن تصبح قضية القضايا وكأن الإسلام هو فقط أن نصل إلى الحكم، ودون أن نعزل مسألة السياسة عن الفكر والعمل الإسلامي، فـ البحث والتفكير في طريق معتدل هادئ يخدم العمل الإسلامي وتياراته.
إن دور العلماء والفقهاء والمفكرين الإسلاميين في هذا العصر يشمل حفظ التوازن لهذه الأمة في القضايا العامة، وذلك يتطلب نوعاً من الاستقلالية، فهم ليسوا معارضة سياسية تبحث عن سلبيات السياسة لنقض كل ما يصدر من السياسي وتخطئته، وليسوا أيضاً عبارة عن مجموعة في جيب السلطة أو بوق يتحدث باسم السلطة كلما شاءت أو أرادت، إن تحليلاً أو تحريماً أو موافقة أو معارضة، وإنما لهم استقلال في الرأي والنظر ودينونة لله سبحانه وتعالى فيما يأخذون وما يدعون بقدر المستطاع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وعندهم تجرد من المقاصد الذاتية، التي تحرم العالم لذة الحق والسعادة به.
ودورهم يتضمن أيضاً قدراً مهماً من التواصل مع الناس وحفظ حقوقهم والدفاع عنها، والقيام بأمر العامة من خلال السعي للشفاعة والخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والإصلاح بقدر المستطاع، والصبر عليهم وخدمتهم في الأمور الاجتماعية، كل ذلك لا يجعل من العالم أداة للجمهور أو مترجماً بسيطاً لكل ما يقولون.
وإن أطياف الناس والمجتمع والسياسة وتيارات الفكر بحاجة إلى صفة الإنصاف التي فرضها الله على عباده المسلمين وألزمهم بها، ولن يتحقق الإنصاف إلا بتصور مواقع الناس وأفكارهم كما أراد بها أصحابها.
يقول ابن حزم : من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه فإنه يلوح له وجه تعسفه .
ولقد فرض الله هذا الإنصاف والحكم بالعدل مع كل الناس حتى مع أعدائنا: (( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ))[المائدة:2]، ومع أصدقائنا: (( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ))[الأنعام:152]، ومع الناس كلهم جميعاً: (( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ))[الرحمن:9].
وإذا أردنا أن نعمل بجد وقوة فعلينا أن ننصف أنفسنا أيضاً، ونحملها المسئولية والتبعة، ولا يسر أي مسلم أن يقرأ الخارطة فيرى أماكن الفوضى والعراك والاضطراب فيجد أنها فقط بلاد إسلامية، و ليس منطقياً أن نلقي التبعية على اليهود والأمريكان؛ لأن هذا معناه عدم إيماننا بوجود قدرة وقوة ومسئولية علينا، وهذا لا يمكن تقبله بحال، فهو وسيلة قديمة لزيادة الوهن والضعف في نفوسنا .
إن على علماء الإسلام وقادته أن يتصفوا بالشجاعة لوصف أماكن الخلل والضعف والتخلف في نفوسنا وعرض أدوائنا، فـ الشجاعة معنى أخلاقي قوي لقول الحق والمنطق أمام الجميع فالدواء والعلاج لا يستثني أحداً.
إن العلماء والدعاة والمفكرين أكثر ما يحتاجون إليه في هذا العصر هو اتخاذ الاتصال الحديث وسيلة لقول الحق ونشره والتواصل فيما بينهم للتشاور ولعقد اجتهاد جماعي يقرب العلماء من بعضهم، فـ الاجتهاد الجماعي يتجاوز سلبيات الرأي الواحد، ويكون أقرب لإدراك المسائل الحساسة من وجوه كثيرة ومقاربة واقعية لها، وجعل ذلك في صفة عمل مؤسسي قوي يبعث النجاح والقوة على العمل الإسلامي ويكون لبنة في بنيان المسلمين ، وفي الحديث المتفق عليه: ( المسلم للمسلم كالبنيان، يشد بعضه بعضاً ).