الرئيسة المقالات1427 هـعلماء الإسلام والعصر (1-3)

علماء الإسلام والعصر (1-3)

هناك نصوص معروفة حين نتحدث عن العلماء في المفهوم الإسلامي، فالله عز وجل يقول: (( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ))[فاطر:28] فهم أصحاب خشية الله، وهم ورثة الأنبياء، كما في حديث السنن، و( فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب )، وثمة حديث مشهور احتج به الإمام أحمد وحسنه ابن عبد البر ( يرث هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين )، وفي هذا الحديث ضمانة ربانية بأن يبقي الله في كل عصر وزمان جماعة من أهل العلم والدعوة والإيمان يقومون بمهام الضبط وإعادة التوازن، ورسم خط الاعتدال، وفي الوقت نفسه هذا الحديث لا يمنح العلماء ولا طلبة العلم ولا الدعاة قداسة مطلقة أو عصمة أو اعتلاء على النقد، بل يحملهم المسئولية، ويكلفهم بأداء الدور والرسالة .
ثم إن هذه الوراثة العلمية لهؤلاء الذين ينفون عن الدين تلك العلائق والتحريفات تقوض ما بني على امتداد تلك العصور من الخرافات والأوهام، فهم عدول لهم علاقة بعصرهم، بدليل أنهم يعرفون تحريفاته وتأويلاته، وهم يعاصرون واقعهم؛ ليحصل لهم هذا التأثير والتمديد، فهم الأئمة القائمون على أمر هذا الدين الذي يرجعونه للأصل العام والمقاصد العليا، والثوابت المحكمة: (( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ))[آل عمران:7].
وإذا كان علماء الإسلام في هذا العصر من الاختلاف والضعف العلمي والعملي والتشرذم وقلة الاتصال بقضايا الناس، فكيف نلوم الناس وعامتهم، كما كان يقول عبد الله بن المبارك :
يا معشر القراء يا ملح البلد            ما يصلح الملح إذا الملح فسد
إن على النخبة من الإسلاميين والدعاة والمفكرين أن يضعوا الخلاف في موضعه ليلتفتوا إلى حوادث الناس وقضايا العصر التي لا أقول بأنها تتجدد مع كل شمس، بل مع كل لحظة، وتندلق كل ثانية رزمة من الكشوفات والفتوحات التي تحتاج إلى فقه فكري ذكي يقتحمها وفي جعبته كل مبادئه وعقائده وتراثه ليتواصل مع تراثه وعصره، وليفي بحقوق دينه ودنياه.
إن المقدمة الرئيسية لإدراك الفقه الإسلامي والفكري والحضاري هي أن تضع الخلاف في موضعه وأن تتخلى عن شهوة تصعيد الخلاف الفرعي أو الاجتهادي أو الاجتماعي أو الدعوي أو الفكري، وأن لا نثقل الأصول بمشاكلنا الخاصة، فنحيل كل اختلاف بيننا على مستوى العقائد والقدح فيها، ولا بد أن نقترب من بعضنا في تخفيف اللهجة الهجائية، واستعمال لغة العلم والمعرفة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا )، فالتسديد هو أن تصيب كبد الحقيقة، والمقاربة هو الاقتراب منها ، وذلك الفهم يرفع المسلم إلى مستوى من الوعي والنضج يستطيع به أن يلتقي مع أخيه المسلم الذي قد يقارب الحقيقة أو ربما يسددها.
وشيء آخر سأقوله: إن بعض علماء الإسلام ودعاته وطلبة العلم استهوتهم قيم الجدل والنقاش العلمي مع أهميته وضرورته عن قيم العمل والإصلاح، ونحن نجد أن أمم الأرض وشعوبها اليوم أيقنت أن العمل ضرورة للحياة، وأن الوقت ثمين، وأن الجهد والإنجاز والإتقان أشياء رئيسة لبناء مجتمع قوي متماسك، بينما المسلمون الذين يقرءون في كتابهم أهمية العمل هم أكثر المتقاعسين والمتكاسلين، يقول الله عز وجل: (( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ))[الكهف:7-8]، فهو سبحانه خلق زينة الأرض ليمتحن الناس أيهم أحسن عملاً في استغلال واستخدام هذه الزينة .
إن هذه المفاهيم هي مقدمات رئيسة لإيجاد أرض علمية تصدر من الوحي المنـزل، وتحاول بكل جهدها وجهادها أن تمارسه على الواقع، مستفيدة من كل إيجابيات هذا العصر وثمراته كنوع من أنواع الهداية الربانية، يقول الله تعالى في سورة الفاتحة: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ))[الفاتحة:6]، فالمسلم يقرؤها وقد تحقق له الاهتداء المجمل بالإيمان والإسلام، ولكن القرآن يعلمنا طلب الاهتداء المتجدد ، واليوم يشهد الناس أشكالاً من المستجدات والمستحدثات على الجانب السياسي والعسكري والتقني، ويشهدون اجتهادات وتحولات في الأوضاع المختلفة، و ليس ضرورياً أن القيم العالية تجاه هذه الأشياء واضحة منتهية، بل هي تحمل قدراً من الالتباس وحاجة للدراسة والتأمل ، و مسألة التوازن المعاصرة علينا أن لا نديرها دائماً وفق القانون الذي تعودنا عليه، فعاداتنا في التفكير تؤثر على فهم هذه النوازل، والتقليد العلمي يقوم بدور سلبي تجاه هذه القضايا والأحداث والمستجدات .
ولا شك أن هذا العصر حفل بمتغيرات هائلة جداً في جل مجالات المعرفة والعلم والتقنية، وكشوف كثيرة ومتتابعة، وهذه الكشوف والمعارف جعلت كثيراً من المسلمين في حرج وتردد، وكثيراً من العلماء وطلبة العلم في التباس أو تقليد.
فتراهم أحياناً تجاه المستحدثات يترددون ويؤثرون جانب الورع أو الخوف، أو يؤثرون السبيل الأسهل بالمنع خشية أن يسلقهم الناس بألسنٍ حداد، فيتوقفون تجاهها أو يحجمون، فإذا أذنت بها الحكومات وتعاطاها الناس ودخلت البيوت وأصبحت جزءاً من الواقع بدءوا ينظرون إليها بعين الاعتبار، ويتعاملون معها تعاملاً مختلفاً، ولا شك أن هذا التعامل المختلف الأخير مفهوم ومبرر، غير أن المفترض في علماء الإسلام وفقهائه ودعاته وقادته أن يحملوا نوعاً من المبادرة في مثل هذه القضايا، مبادرة في قضايا العلم والتقنية التي حدثت اليوم واحتاج الناس معها إلى اجتهاد وفتوى ، وقد يسأل هؤلاء العلماء عن قضايا طبية، كالاستنساخ وطفل الأنابيب وتغيير جنس المولود، أو قضايا فلكية كالحساب والرؤية للهلال، أو تقنية كبعض الآلات والمنتجات أو غيرها، فتجدهم يلوذون بالصمت، أو ربما غلب عليهم الورع الموهوم؛ لأن الورع الحقيقي هو أن يقدم أهل العلم والفهم، ويبادروا لمناقشة هذه القضايا بروح علمية وموضوعية هادئة، و كلما بعد وتكاسل أهل العلم والإسلام اتسعت الفجوة وابتعد الواقع عن هدي الإسلام ، وهذه الطريقة المهمة في التعامل هي المعاصرة المطلوبة التي تتطلب لوناً وقدراً من الاجتهاد والفقه، يقول الله عز وجل: (( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ))[النساء:83].