الرئيسة المقالات1425 هـطفلي الغاضب

طفلي الغاضب

لا أقضي عجباً من كثرة من يشكو من غضب الأطفال، وعدم وجود آلية لدى الآباء في تعاملهم مع أبنائهم أثناء فوران غضبهم حتى يخرجوا بأقل الخسائر النفسية والمادية من تلك الحالة التي هي من طبائع الأطفال.
وكثيراً ما يقرع أسماعنا ويدهش قلوبنا عبارات تتكرر من أطفالنا نقف مكتوفي الأيدي حيالها، مثل: أنا أكرهك يا أمي، أنا ما أبغاك يا بابا، أنا أصبحت لا أحبك، أتمنى ألا أجدك في حياتي.. وغير ذلك من ألفاظ تخرج وقت الغضب من الأطفال، فلا نجد إلا السباب، والشتم، والضرب المبرح أحياناً من الوالدين، وليس ثمة علاج آخر غير هذا عند معظم الآباء بحجة سوء الأدب من الطفل، وأن هذا من تأديبه، وحسن تربيته.
وعند التحقيق نجد الأمر (السباب والضرب للطفل) عبارة عن رد فعل عاجز من الأبوين ، بيد أنه خرج في صورة شائهة يقال لها: تربية.
ثمة أمور يجب على الوالدين أن يضعاها في حسبانهم لمعالجة حالة الغضب أو للتصرف السليم عند غضب أبنائهم، فأقول كما قال الأول:
لولا بنيات كزغب القطا            رددن من بعض إلى بعض
لكان لي مضطرب واسع            في الأرض ذات الطول والعرض
وإنما أولادنا بيننا            أكبادنا تمشي على الأرض
لوهبت الريح على بعضهم            لامتنعت عيني عن الغمض
ورغم أنهم أكبادنا إلا أنني أقول كما قال حبيب:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً            فليقس أحياناً على من يرحم
من تأمل هدي النبي صلى الله عليه وسلم وجد أنه لم يضرب بيده امرأة ولا خادماً قط، ولست أتكلم عن قضية نضرب أو لا نضرب، بقدر ما أتحدث عن أن الضرب يفاقم المشكلة أكثر مما يساهم في حلها.
• هناك إشكالية تحدث عند كثير من الآباء وهي حيرتهم في الواجب عليهم أولاً.
هل هو التركيز على سبب الغضب لدى الطفل، أو التركيز على غضب الطفل نفسه؟
وفي تقديري أن البحث عن حل لسبب الغضب هو الأولى والأجدى من معالجة حالة الغضب نفسه؛ فإن قطع المادة المؤدية لأي مشكلة هو حل للمشكلة والقضاء عليها.
إن الكبار لا يمتلكون آلية أو ملكة ليتحكموا بها في غضبهم؛ فكيف بالصغار؟!
و تربية الطفل على الهدوء وسعة الصدر والتعامل مع الأشياء بأريحية وتلقائية شيء مهم ، والطفل الذي يربى على عكس هذه المعاني لا وسيلة عند غضبه إلا تهدئته أولاً ثم التعامل مع سبب غضبه.
العرب تقول: رمتني بدائها وانسلت، وفاقد الشيء لا يعطيه.
نعم. فإذا كان الأب من طبعه الغضب، أو لا يستطيع أن يتمالك نفسه، ويمسك بزمامها عند انفعاله، فكيف يلوم طفله على الغضب، وهو قدوته ونموذجه الأعلى، رباه على عينه، ونماه على طريقته؟ ألا يصح أن تقول له: أيها الطبيب عالج نفسك؟!
يا أيها الرجل المعلم غيره            هلا لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها            فإذا انتهت عنه فأنت عليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله            عار عليك إذا فعلت عظيم
• لماذا لا نستعمل لغة الحوار مع أطفالنا في حال غضبهم؛ فهي أجدى من لغة الصياح والبكاء؟! ثم لا شيء غير العقد النفسية والاضطرابات، ولا جرم. فـ لغة الحوار موجودة في القرآن بين رب العالمين وملائكته وأنبيائه ورسله، حتى نجد لغة الحوار بين الأنبياء والطيور كما حدث مع سليمان والهدهد .
أفلا نكون نحن أولى بذلك مع أطفالنا وفلذات أكبادنا؟!
• كثير من الناس يتحدثون مع أطفالهم بسخرية وازدراء، بحجة صغر سنه وضآلة عقله، وأن الاحترام ليس وقته الآن؛ فالولد ما زال طفلاً، وهذا في تقديري من أكبر الأخطاء الشائعة، ومن تأمل هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال رأى خلاف ذلك.
• خلق الصبر مهم جداً في تعاملنا مع أبنائنا؛ فـ الطفل نفسه هلامية وروحه تواقة، وخيالاته لا حدود لها، فمن الخطأ أن تأطره على أخلاق الكبار وهو بعد لم يميز ما يضره مما ينفعه ، ومن هنا ندرك سر نزول النبي صلى الله عليه وسلم لابنيه الحسن و الحسين من على المنبر وأمامه أكابر الصحابة وأفاضلهم وأصحاب السابقة في الإسلام كما ورد في السنن.
• من الخطورة بمكان أن يفقد الطفل شعور الحب من والديه حتى أثناء تعنيفه أو معالجة غضبه؛ فينبغي أن يكون هذا الشعور هو السمة الغالبة في كل دواء، خاصة وأن ابنك يملك قلبك بحبك له، فرغم صغره إلا أنه يملك بعض التصرف فيك.
لا تغضبن على قوم تحبهم            فليس ينجيك من أحبابك الغضب
ولا تخاصمهم يوماً وإن ظلموا                        إن القضاة إذا ما خوصموا غلبوا
عود طفلك أن يعبر لك عن مشاعره في حالة الغضب بدل الصياح والصراخ.
• إذا عرفت سبب غضب طفلك فحاول أن تبسط الأمر وتنزل إلى مستوى عقله ولا تعامله من حيث أنت، بل عامله من حيث هو، مهما كانت تفاهة الأمر.
ألا ترى الجارية الحديثة السن تأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فيذهب معها النبي حيثما شاءت.
• يجب أن يشعر الطفل بأنه يعيش جواً من الحرية المنضبطة بعيداً عن القهر والسلطوية اليومية التي لا تشعر بها في حين أنها تكبت مشاعره ونفسيته.
في إحدى الإحصائيات أن (70%) من أطفال الخليج يعانون من اضطرابات نفسية .
فنحن بين طرفي نقيض، إما إفراط معقد أو تفريط مخل، والسماوات والأرض قامتا على العدل:
تسامح ولا تستوف حقك كله                        وأبق فلم يستقص قط كريم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد            كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وأعرف بعض الفضلاء ممن يلاحق طفله بالتربية حتى إنه لو استطاع أن يعد عليه أنفاسه لعدها يأتي إلي وقد اصفر لون ابنه، وشحب وجهه، وظهرت عليه علامات الاضطراب، فوالده يأبى إلا أن يتصرف طفله من خلال عقل أبيه لا من عقل ابنه الصغير.
• علم طفلك أن يغير من حالته عند الغضب بأن يتوضأ مثلاً، أو يجلس إن كان قائماً، أو يقوم إن كان جالساً أو يمسك كتاباً أو غيره؛ فإن فعل وهدأ غضبه؛ فانتهز الفرصة وشجعه وقدم له هدية، ولو القلم الذي في جيبك.
• أكثر الثناء على طفلك عندما يكون هادئاً، ولا تأل في ذلك جهداً، بكل عبارة وتعبير باليد أو والوجه وغير ذلك.
• حاول أن تنفذ مع طفلك لعبة الأدوار، بأن تقوم بدور الغاضب واجعله يهدئ من غضبك، واسمح له بأن يتبع الأسلوب الذي يراه هو مناسباً، ومن الجيد أن تعود الطفل أن يقول: أنا غاضب من كذا بدلاً من أن يعبر عن ذلك بالصراخ.
• أسلوب الأوامر لا ينفع في كل الأحوال، وما أحسن أن نبتعد عن مثل قولنا: اسكت، امش من أمامي الآن، لو أمسكتك لكسرت رأسك، لا تتحدث معي بهذه الطريقة الوقحة.
ولو أبدلناه بمثل: تعال يا حبيبي، أنا أبوك وحبيبك، أنا أتأثر بغضبك فلا تتعب مشاعري، المهم أن تجعله يتعاطف معك؛ فـ طفل اليوم هو رجل الغد الذي قد تندم أنك لم تعوده التعاطف معك يوماً من الدهر .
• من نظر في هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال شهد لهذا النبي أنه:
هو البحر من أي النواحي أتيته                        فلجته المعروف والجود ساحله
فهذا أنس يقول فيما رواه مسلم : ( والله ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم ). فهو يحب الأطفال ويبكي لموت ابنه إبراهيم، ويبعث الصحابة إليه بأطفالهم أول ما يولدون؛ فيحنكهم ويدعو لهم، ويغير أسماءهم أحياناً إلى أحسن الأسماء، ويلاطفهم ويداعبهم ويأتي الحسن مسرعاً حتى يلقى بنفسه في حجره صلى الله عليه وسلم فيقبله الرسول ويعانقه، ويقول: ( اللهم أحببه وأحب من يحبه ) متفق عليه.
ويخرج مرة إلى المسجد وهو حامل حسناً أو حسيناً على كتفه كما في النسائي .
ويصلي مرة وهو حامل أمامة بنت زينب .
ويداعب طفلاً صغيراً حزن على عصفور له مات قائلاً له: ( يا أبا عمير ما فعل النغير ) كما في البخاري و مسلم .
بل يستأذن الغلام لأجل أن يسقي قبله أشياخ قريش وفيهم أبو بكر و عمر فيرفض الغلام، فينزل النبي صلى الله عليه وسلم على أمره ويسقيه قبلهم، والقصة في البخاري .
وها هو عمرو بن سلمة يصلي بقومه وهو ابن ست سنين؛ لأنه كان أقرأهم، إلى غير ذلك من هدي عطر يقف المسلم أمامه إكباراً لصاحبه صلى الله عليه وسلم، ويدرك أن أرقى التجارب التربوية والمدارس التأهيلية في الشرق والغرب في أمس الحاجة إلى قبسة من هذا النور النبوي الكريم .