الرئيسة المقالات1429 هـربنا الغفور 1-2

ربنا الغفور 1-2

من أسمائه جل وتعالى: الغفور والغفار والغافر وهو خير الغافرين.
إليك شكاية ذنب مضى                        إليك حكاية إثم غبر
إليك المآب إليك المتاب                        ومنك العتاب ولا معتذر
أسير الخطايا رهين البلايا            كثير الشكايا قليل الحيل
يرجيك عفوًا وأنت الذي            تجود على من عصى أو غفل
إلهي أثبني إلهي أجبني            ووفق إلهي لخير العمل
وقد ورد اسم الله الغفور في الكتاب العزيز في إحدى وتسعين موضعًا ، كقوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ))[البقرة:173]، وقوله: (( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ))[البقرة:235]، وقوله: (( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ))[الحجر:49]، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما اسمه الغفار فقد ورد في خمس آيات ، كقوله: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ))[طه:82]، وقوله: (( رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ))[ص:66].
وورد اسم الله الغافر في قوله تعالى: (( تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ ))[غافر:2-3].
وعلى صيغة الجمع (خير الغافرين) في قوله تعالى: (( أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ))[الأعراف:155].
ولقد ذكر الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم قول النصارى: (( إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ))[المائدة:73]، وأعقبه بقوله سبحانه وتعالى: (( أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ))[المائدة:74].
وذكر جل وعز أصحاب الأخدود، فقال: (( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ))[البروج:10].
أما لو تابوا إلى الله تعالى وأنابوا لغفر الله تعالى لهم، وتقبل منهم، ولذلك نادى الله تعالى المشركين والمذنبين والخطائين، وفتح لهم أبواب عفوه ومغفرته ورحمته، وقال لهم: (( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ))[الزمر:53] أي: لا تيأسوا.
وفي هذه الآية إثبات أن الله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب جميعًا، ولم يستثن منها شيئًا قط، حتى الشرك والكفر يغفره الله لمن تاب منه وأقلع عنه؛ فهذه الآية فيمن ترك الذنب الذي كان عليه.
وهناك آيات أخرى قرن الله تعالى المغفرة بمشيئته، كما في قوله سبحانه وتعالى: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ))[النساء:48].
وهذه في حق المؤمنين الذين آمنوا بالله تعالى، والتزموا هديه، ولكن حصلت منهم ذنوب وخطايا، فإن الله أذن أن تكون هذه الذنوب مهما عظمت تحت مشيئته سبحانه، إن شاء غفر وإن شاء عذب!
ولذلك ثبت أن الله ينادي في الثلث الأخير من الليل، فيقول: ( هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من داعٍ فأجيبه ) .
فهذا هو الكرم العظيم، والفضل الذي لا يحد، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: ( يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا-أي: بملء الأرض خطايا- ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة ) .
وإنما سمى نفسه سبحانه وتعالى: الغفور؛ لأنه خلق عبادًا علم أن من شأنهم أن يذنبوا ويستغفروا..
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله؛ فيغفر لهم ).
توضأ القلب من ظني بأنك غفـار            وصلى وكانت قبلتي الأمل
دع الهوى لذويه يهلكوا شغفًا                        أو فاقتل النفس فيه مثل من قتلوا
وعند الله سبحانه وتعالى ملائكة: (( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ))[التحريم:6]، فهم يسبحون الله لا يفترون، ما بين قائم وراكع وساجد، يقولون: ( سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت )!
وقد جاء في الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، إن السماء أطت وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع، إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله ) .
لكنه سبحانه وتعالى أراد بحكمته أن يخلق خلقًا آخر من البشر يهدى السبيل الأقوم فيستقيم، أو السبيل الآخر فينحرف، كما قال سبحانه: (( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ))[الإنسان:3].
فهذه هي الجبلة التي خلق الله الناس عليها، ولا شك أنهم سيقعون في الخطأ، ولذلك أذن سبحانه وتعالى في أن يستغفر هؤلاء الناس، وشرع لهم ذلك، ووعدهم أن يغفر لهم إذا استغفروه، كما في حديث أنس رضي الله عنه السابق.
إن اللهج بالاستغفار هو دواء للقلب، وسبب لمحو الذنب..
والغفور من الغفر، وهو: الستر.
من قولهم: غفر الشيء. أي: ستره وغطاه، وهكذا المغفرة فإنها بهذا المعنى؛ فلذلك شرع لنا الله سبحانه وتعالى الاستغفار.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه سيد الاستغفار، أن يقول الإنسان في الصباح والمساء: ( اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) .
فهذا دعاء مؤمن ولكنه زلت به القدم، ولهذا يقول: ( وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي ).
أقر وأعترف بما صدر مني مما لم يكن خليقًا من عبد منعَم عليه، مشمول بعطاء الله العظيم أن يفعله، ولكن هذا بدر مني.
فتأمل! كم في هذا الابتهال العظيم وهذا الاستغفار الجامع من المعاني العظيمة، التي إذا قالها العبد صفا قلبه.
وتأمل! عندما يقول الواحد منا: ( خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ) هل هو صادق في هذا التعهد؟
فأنت بهذا تنطق تعهدًا لربك تبارك وتعالى أنك على عهده ووعده ما استطعت، وهذا الاستغفار فيه تذكير للعبد، وتجديد للميثاق والعهد المذكور في قوله تعالى: (( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ))[الأعراف:172].
ولذلك على العبد أن يقول هذا الاستغفار إذا بدر منه ذنب، فإن هذا الاستغفار إذا قيل صباحًا ومساءً؛ فإنه كفيل بإذن الله تعالى بمحو الأوزار والذنوب، ودعوة العبد إلى أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى.