الرئيسة المقالات1422 هـدعوة للجهاد العام!

دعوة للجهاد العام!

يتحدث الكثيرون ويسألون عن الجهاد وحكم الجهاد، وهم يستبطنون السؤال عن حالة خاصة من أحواله، ووضع محدد من أوضاعه، وهذا يحدث إشكالية واضحة بين الجهاد باعتباره لغة شرعية لها مدلولها ومضمونها وشمولها وتنوعها، وبين تنزيل هذه اللغة على حال معين.
وبتبسيط المسألة وتقريبها يتلخص أن للجهاد معنيين:
معنى عام: وهو بذل الجهد في إقامة دين الله والدعوة إليه، وبسط سلطانه في الأرض، وإصلاح أحوال الناس الدنيوية، بما يتطلبه ذلك من أنواع العلوم والمعارف والأعمال والوسائل، وهذا لا شك واجب يتعين على الأمة في مجموعها، ويجب على كل فرد منها ما يناسبه، من علم شرعي، أو دنيوي، أو جهاد بدني.. إلخ.
والمعنى الخاص: والمقصود به قتال الكفار ومن في حكمهم، وهذا واجب على أهل البلاد التي سيطر عليها الكفار أو احتلوها، ويجب على بقية المسلمين مؤازرتهم ونصرتهم بما يمكن من الدعم المادي والمعنوي.
أما القول بتعين الجهاد البدني بمعنى القتال وهو المعنى الخاص، وإيجابه على كل أفراد الأمة كافة في بلد معين، وفي زمن معين، وهو الزمان القائم فهو مستبعد ولا وجه له.
اللهم إلا أن يقال -جدلاً- بأن لدينا عدداً كبيراً من فروض الأعيان المتزاحمة، والتي لا يمكن القيام بها كلها جملة فآل الأمر إلى المفاضلة والاختيار
.
إن كل أحد يقطع بأن الدعوة لم تبلغ مداها، ولم تتحقق بها الكفاية منذ قرون ، والأمر الآن أشد ما يكون حاجة إلى دعوة الأمة بكل فئاتها إلى تصحيح علمها وعملها وعقائدها وعباداتها وسائر شؤونها، بل لا يزال الكثير من الناس على الكفر والشرك ونسبة هؤلاء تزيد على (80%) من البشرية ما بين يهود و نصارى ووثنيين وبوذيين وسيخ و الهندوس وبراهمة و.. و.. إلخ .
و كل أحد يقطع بأن العلم الشرعي لم ينتشر بين الناس كما يجب، بل الكثيرون منهم يجهلون حتى ما يجب على المسلم أن يعرفه عيناً من دينه .
وكل أحد يقطع بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم تقم به الأمة المنصوصة في القرآن: (( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ))[آل عمران:104]، والأمر أبعد ما يكون!
و كل أحد يقطع بأن المسلمين يعانون نقصاً حاداً في الكفاءات والخبرات التي لا بد منها لدينهم ولدنياهم، كالاقتصاد، والإعلام، والإدارة، والطب، وعلوم الأرض والبحار والفضاء، وغيرها مما لا يأتي عليه الحصر .
وكل ما سبق فروض كفايات تحولت بالنقص الحادث في تحقيقها إلى فروض أعيان.. وبهذا غدونا أمام قائمة طويلة من فروض الأعيان لا تصلح معها الانتقائية المزاجية، ولا اختيار الأسهل الذي نظن أنه لا يكلفنا أكثر من أرواحنا! و ما أسهل بذل الروح عند المؤمنين!
لكن.. ما أكثر المتذمرين المترددين حين تطالبهم بعمل طويل يستغرق السنوات ليتوفر على علم أو تخصص أو إبداع أو تفوق! والغالب ليس لديهم وقت لذلك، وهم يظنون أن كل آلام المسلمين ومصائبهم وإخفاقاتهم تنتهي بوجود دولة ما تعلن أنها إسلامية .
و ليس من شك أن تحكيم الشريعة وتطبيقها من أهم وأعظم المطالب التي يسعى لها المسلمون، وعلماؤهم ودعاتهم ومجاهدوهم على وجه الخصوص .
بيد أن التراجع العام في مستوى الأمة لا ينتظمه جانب معين، ولا يتلخص في وطن دون آخر، ولا يصلحه إلا حركة إصلاح عامة تستهدف تدارك التفكير والعلم والعمل في شرائح الأمة كلها، وهذا يتطلب مشروعاً متكاملاً لبناء دين الأمة ودنياها، وأول مراحل هذا المشروع هو تصوره تصوراً صحيحاً، إذ إن فاقد الشيء لا يعطيه .
وقد طرحت مشاريع عديدة للأمة وأخفقت؛ لأنها لا تعتمد اعتماداً جوهرياً على الطرح الإسلامي المدروس، ولأن الأمة المستهدفة بالتغيير في غيابة عن وعيها ومسؤوليتها، وليست مواكبة لهذه المشاريع ولا متفاعلة معها.
و اليوم أصبحت تجد من الغيورين المتحمسين من لو قلت له: خض هذا البحر لما تردد ولا تلجلج؛ لأن دافع الحماسة قد بلغ منتهاه!
لكنك حين تقول له: واصل دراستك وكن متفوقاً، وخطط لسنوات قادمة لتكون شيئاً مذكوراً في حياة الأمة ومستقبلها، لرجع خائباً مكسور الجناح محبطاً، إذ إنه لا معنى عنده أن نرتب أحوالنا لبضع سنوات بينما الأطفال يقتلون، والنساء ترمل، والأعراض تنتهك، والدماء تسفك، والجراح تسيل، وأنات المقهورين والموجوعين تصك الآذان! إن بعض الاندفاع قد يضاعف المعاناة بدلاً من حلها .
وهاهنا يبرز معنى (الجهاد) الذي هو بذل أقصى الوسع وغايته، واستفراغ الطاقة في تحصيل المراد.
وقد يكون في بعض النفوس ميل إلى الجهاد البدني، لأنه يحقق النكاية السريعة والانتقام، بينما تعزف عن الجهاد الذي قد لا ترى ثمرته إلا بعد حين أو لا تراها أبداً، وقد طلب قوم الإذن لهم بالقتال فأمروا بكف اليد، فلما كتب عليهم القتال عصوا وصاروا يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية؛ (( وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ))[النساء:77] و الغفلة عن المستقبل ستجعلنا مشغولين أبداً بإطفاء الحرائق هنا وهناك عن العمل الجاد الذي يخفف المعاناة عن أجيالنا اللاحقة .
وليس من تعارض بين هذا الهم المستقبلي الضروري، وبين جهود مدروسة للتعاطي مع قضايا المسلمين الساخنة، كقضية فلسطين و الشيشان و كشمير وغيرها.. ومع ما يجد من قضايا ورزايا، فالمعاناة تتجدد، والضرورة تقتضي ألا ندع الجرح المفتوح الآن دون علاج.
لكن الفكرة التي يجب التركيز عليها: أن علاج الجرح المفتوح على أهميته يجب ألا ينسينا التفكير في مستقبل أجيالنا.. التي سوف تتساءل: هل خلفنا لها شيئاً آخر غير الجراح؟!
ربما يكون التفكير الأنسب في الظروف القاسية التي تعانيها الأمة، والتي صارت واقعاً عملياً منذ عشرات السنين كما يعرفه من قرأ التاريخ الحديث واطلع على مآسي المسلمين فيه أن يفكر الفرد الواحد في الموقع الذي يفرغ فيه طاقته، ويؤدي من خلاله دوره وبتحديده يبدأ المسير إليه، بخطىً ثابتة، فيكون قد رسم الهدف وحدد الطريق وبدأ السعي.. وهذا يصل وفق السنة الربانية، ومن ثم تتزايد الأعداد الإيجابية التي تمارس دورها بشكل صحيح، بدلاً من أن تكون هذه الأعداد تتساءل فقط عن دورها، ثم لا تعمل شيئاً بعد.
و لا يلزم أن يكون تفكير الفرد الواحد دائماً هو أن يرفع المعاناة عن الأمة كلها، فالواحد القادر على رفع المعاناة كلها هو الله عز وجل .
أما البشر فيكفي أن يستفرغ المرء جهده وطاقته ولا يدخر منها شيئاً، ثم لا يضيره أن تتحقق النتائج على يد غيره بعدما يكون أسس وبدأ البناء .
إن رفع المعاناة أو تحقيقها يتطلب عدداً كبيراً من الواعين المخلصين المضحين وفي جميع الميادين ، وهذا ما يجب السعي فيه، ولأن ينجح فرد في إعداد مجموعة من شباب الأمة إعدادً علمياً وعقلياً وخلقياً وجسدياً، أحب وأنفع من أن يلقي بنفسه في أتون نار تلظى، ولو كان سيذهب شهيداً.
فنحن نطالع مصلحة الأمة في دينها ودنياها، وليس مصلحته الشخصية وحدها ، و قد يحدث ويقع أن يكون لفرد أو جماعة من البلاء وحسن الأثر والوقع في الجهاد القتالي المباشر ما ليس لغيرهم؛ إما لخبرة أو شجاعة، أو حسن تنظيم، أو بعد نظر، أو صلاح نية..
وفي مثل هذه الحال قد يكون هؤلاء أولى من غيرهم بالعناية بتوجيه المعركة في المناطق الساخنة من بلاد المسلمين كـفلسطين و الشيشان، وهذه من المواقف البطولية التي تستحق الإشادة المتكررة؛ لأنها تعبير عن وجود الأمة وحيويتها وإحياء لقضاياها، ولو لم يكن من آثارها إلا هذا الالتفاف المبهج لكفى ووفى.
لكن يجب أن يكون هذا بمعزل عن افتعال معارك في بلاد المسلمين ومجتمعاتهم، تسيل فيها الدماء وتزهق فيها الأرواح، ويضطرب الأمن ويشيع الخوف، ويفقد الناس قدرة الحفاظ على ضرورياتهم من الدين والنفس والعرض والعقل والمال، وهي التي جاءت الرسالة السماوية لحفظها وصيانتها.. فكيف تهدر باسم جهاد موهوم يفتات فيه على جماعة المسلمين وعامتهم؟
إن النجاح يكمن في أن يستخدم المرء عقله قبل يده ، وقد قيل:
رام نفعاً فضر من غير قصد             ومن البر ما يكون عقوقا
و أصحاب المنهج الإسلامي بحاجة إلى أن يطمئنوا إلى النجاحات والإنجازات التي حققوها لدعوتهم ومجتمعاتهم، وأن يؤسسوا عليها، ويشيدوا البناء.
وهم في الوقت ذاته بحاجة إلى أن يُطَمئِنوا غيرهم من الناس إلى سلامة منهجهم ووضوحه، وأنه لا يقوم على تدمير المكتسبات، ولا يتقاطع مع مصالح الناس وحاجاتهم .
وهذه الروح السارية في أجسادنا نعمة رائعة من عطايا الرب الكبير المتفضل لا يحسن أن يتبرم المرء بها، ويلقي بها في أي محرقة دون أن يفكر في النتيجة الحاصلة.
ولأنها نعمة بهذه العظمة، فقد وصف الله الشهداء في سبيله، الذين أفنوا حياتهم في طاعته ومرضاته وإعزاز دينه بالحياة، فقال: (( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ))[آل عمران:169] والله من وراء القصد.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.