الرئيسة المقالات1428 هـختم القرآن

ختم القرآن

رمضان شهر القرآن، ابتدأ نزول القرآن فيه فيما نقله ابن الجوزي في كتابه زاد المسير في علم التفسير عند تفسير قول الله تعالى: (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ))[البقرة:185] ونزل القرآن بذكر الصوم وإيجابه، وشرع الإكثار من القراءة فيه، حتى كان جبريل يدارس النبي القرآن في شهر رمضان.
وعن عبد الله بن مسعود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ) .
وعن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه)، (اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما)، (اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة). قال معاوية : بلغني أن البطلة السحرة. وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ) .
وقد أمر الله بتلاوة كتابه، وبين أن هذا هو دأب الصالحين الصادقين، فقال سبحانه وتعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ))[فاطر:29-30].
فقراءة القرآن هي التجارة الرابحة التي لا تبور، وذلك في جميع الدهور، وعلى مدى الأيام والشهور، لكن لها في رمضان شأناً أعظم وآكد؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تزيد عنايته بالقرآن في رمضان، وذلك لأسباب:
السبب الأول: أن ابتداء نزول القرآن كان في رمضان، فإن الليلة التي نزل فيها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: (( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ))[العلق:1-4] كانت في شهر رمضان.
وقصة نزول جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم جاءت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أنها قالت: ( أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) (ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينـزع) (إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قـال: ما أنا بقارئ) (قال: فأخذني فغطني) (حتى بلغ مني الجهد) (ثم أرسلني) (فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: (( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ))[العلق:1-3].
فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني
) (فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لـخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل) (وتكسب المعدوم) (وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق).
(فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ، وكان امرأً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى ، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أومخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا.
ثم لم ينشب
) (ورقة أن توفي، وفتر الوحي ) .
هذه الحادثة كانت في رمضان، كما هو مقتضى ما ذكره ابن إسحاق و أبو سليمان الدمشقي ، ويحتمل أن يكون هذا هو معنى قول الله تعالى: (( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ))[الدخان:3]، وقوله تبارك وتعالى: (( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ))[القدر:1] إلى آخر السورة، ذلك أن ليلة القدر من رمضان.
السبب الثاني: أن رمضان هو الذي أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكما أطبق السلف على أن القرآن فصل من اللوح المحفوظ، وأنزل إلى بيت العزة في سماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان، ثم كان ينـزل على الرسول صلى الله عليه وسلم نجومًا بحسب الوقائع والأحوال، كما هو معروف في أسباب النزول .
وقد نقل هذا المعنى عن جماعة من الصحابة، كـواثلة بن الأسقع و عائشة رضي الله عنهما، وجاء مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وموقوفًا.
ونقل أن الحسن بن علي رضي الله عنهما لما قتل أبوه وكان ذلك في رمضان سنة 40هـ، قام فخطب الناس وقال: [ لقد قتلتم رجلاً في ليلة نزل فيها القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، ورفع فيها عيسى إلى السماء، وقتل فيها يوشع بن نون ، وتيب على بني إسرائيل ].
والآثار في ذلك عن السلف كثيرة جدًا، وخلاصتها ما تقدم من أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، التي هي من رمضان.
السبب الثالث: أن جبريل كان يأتيه صلى الله عليه وسلم في رمضان فيدارسه القرآن كل ليلة، كما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ) .
وفي العام الذي توفي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عارضه جبريل القرآن مرتين .
إذن، فقد كان رمضان بالذات مخصصًا لتدارس القرآن بين جبريل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم في كل سنة، بحيث يتم في كل رمضان مراجعة ما أنزل من القرآن، فيقرأ النبي صلى الله عليه وسلم و جبريل يستمع إليه، ومن خلال المعارضة يتم إثبات ما أمر الله تعالى بإثباته، ونسخ ما أمر بنسخه: (( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ))[الرعد:39] كما أنه قد يتم أيضًا شرح معاني القرآن، وتدارسها بين جبريل والرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد أخذ أهل العلم من ذلك مشروعية ختم القران في رمضان؛ لأن جبريل والنبي عليهما صلوات الله وسلامه كانا ينهيان في كل رمضان ما سبق نزوله من القرآن، وفي آخر سنة أنهياه مرتين بالمدارسة والمعارضة كما تقدم، فهذا دليل على أنه يستحب للمسلم أن يقرأ القرآن الكريم كاملاً في رمضان مرة أو أكثر؛ بل إن السنة أن يختم القرآن في كل شهر مرة، وإن استطاع ففي كل أسبوع مرة بل إن استطاع ففي كل ثلاث ليال مرة ، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ولذلك كان السلف يخصصون جزءًا كبيرًا من وقتهم في رمضان لقراءة القرآن، حتى قال الزهري رحمه الله: [ إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن، وإطعام الطعام ].
وكان الإمام مالك رحمه الله إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث، وأقبل على قراءة القرآن الكريم من المصحف.
إذن، ففي رمضان أنزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، وفيه ابتدأ إنزال القرآن على المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفيه كان جبريل يدارسه القرآن ويعارضه إياه؛ ولهذه الأسباب مجتمعة لابد أن تكون عناية المسلم بالقرآن مضاعفة في هذا الشهر الكريم، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالحين من بعده.
وحول موضوع العناية بالقرآن أود أن أشير إلى ملحوظات جوهرية:
الملحوظة الأولى: أن بعض الناس يظنون أن ختم القرآن مقصود لذاته، فيهذُّ الواحد منهم القرآن هذَّ الشعر، بدون تدبر، ولا خشوع، ولا ترقيق للقلب، ولا وقوف عند المعاني؛ بل همه الوصول إلى آخر السورة أو آخر الجزء، أو آخر المصحف.
ولا شك أن القرآن ليس لهذا أنزل؛ فإن الله تعالى يقول في هـذا الكتاب الكريم نفسه: (( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ))[ص:29]، وقال تعالى: (( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ))[المزمل:4]، وقال تعالى: (( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ))[الأعراف:185]، (( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ))[الجاثية:6].
فمن الخطأ أن يحمل أحدنا الحماس إذا سمع بعض الآثار عن السلف التي تفيد أنهم يختمون القرآن كل يومين مرة، أو كل يوم مرة؛ فيقول: لابد أن أقتدي بهم، ويمضي يهذ القرآن هذًّا، غير متمعن ولا متدبر، ولا مراع لأحكام التجويد، أو مخارج الحروف الصحيحة قدر الإمكان.
إن كون العبد يقرأ بعضًا من القرآن: جزءًا، أو حزبًا، أو سورة بتدبر وتفكر، خير من أن يختم القرآن كاملاً بدون أن يعي شيئًا منه .
وقد ثبت في الموطأ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه أخذ في تحصيل سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها .
وهل كان ابن عمر رضي الله عنهما محتاجًا أن يمكث ثماني سنين ليستظهر سورة البقرة؟ كلا، فإن صبيان الكتاب يحفظون القرآن كله في سنة أو سنتين، ولكنه رضي الله عنه استغرق ثماني سنين في سورة البقرة: يحفظها، ويتعلم معانيها، وأحكامها، وناسخها، ومنسوخها، وخاصها، وعامها، ويقف عند ما ورد فيها.. إلى غير ذلك، وهذا الذي جعله يفني في ضبطها هذا الوقت الطويل.
ثانيًا: أن جمع الناس بهذه الطريقة لا تتم به الفائدة، ولأن يقرأ الإنسان وحده؛ ليتدبر ويتمعن ويخشع خير من اجتماع على زعق وضجيج وأصوات، ولقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الذي يذكر الله خاليًا فيبكي، حيث قال صلى الله عليه وسلم: ( ورجل ذكر الله خاليًا؛ ففاضت عيناه ) .
ثالثًا: أن رفع الأصوات عند قراءة القرآن ليس من سمت المؤمنين، بل هو منكر لا يجوز؛ لأن فيه سوء أدب مع كلام الله تعالى ، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك، ولا أصحابه رضوان الله عليهم، وإنما كان هديه صلى الله عليه وسلم حسن التأدب مع القرآن، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اقرأ علي. قال: قلت: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري قال: فقرأت النساء، حتى إذا بلغت: (( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ))[النساء:41] قال لي: كف أو أمسك. فرأيت عينيه تذرفان ) .
هذا هو الخشوع، والتأثر والاعتبار، وهذا هو الأدب الواجب مع القرآن، فصلى الله وسلم على معلم الناس الخير.
الملحوظة الثالثة: حول ما يسمى (الختمة)، والمراد بها: قراءة القرآن في صلاة التراويح والقيام، ثم الدعاء المعروف عند إتمام القرآن الكريم.
فمن الناس من يقول: إن هذه بدعة، ولا يفصل.
ومنهم من يقول: إنها سنة، ويعمل بها دون تفصيل أيضًا.
والأحسن هو التفصيل في ذلك،كما يلي:
أولاً: إتمام القرآن الكريم في صلاة التراويح والقيام مشروع كما سبق.
ثانيًا: الدعاء عند ختم القرآن الكريم أيضًا مشروع، فقد ثبت من حديث جابر رضي الله عنه عند أحمد و أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اقرءوا القرآن، وابتغوا به الله من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح ) ( يتعجلونه ولا يتأجلونه ) أي: يتعجلون أجره.
ومن حديث عمران بن حصين رضي الله عنه عند أحمد و الطبراني: ( من قرأ القرآن فليسأل الله به.. ) .
و في سنن الدارمي بسند جيد [ أن أنس بن مالك رضي الله عنه كان إذا ختم القرآن الكريم جمع أهل بيته فدعا بهم ] إذاً: فالدعاء عند ختم القرآن مستحب.
ثالثًا: هذا الدعاء الذي يقال عند ختم القرآن، إن كان في صلاة فينبغي أن يكون في صلاة الوتر، سواء في التراويح أو في القيام؛ وذلك لأن الوتر هو الموضع الذي ورد أنه مكان الدعاء، كما ثبت في غير ما حديث، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم الحسن كما في سنن الترمذي أن يقول في دعائه: ( اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضى ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت ) .
وهذا الحديث جاء بلفظين: أن يقول في قنوت الوتر، وأن يقول في الوتر.
والأئمة الحفاظ أعلوا زيادة: (في قنوت الوتر) كالإمام أحمد وكذلك ابن حبان و ابن خزيمة و البزار وغيرهم من الحفاظ والنقاد؛ ولذلك قال الإمام أحمد رحمه الله: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء. كما في المسائل لابنه عبد الله، وقال ابن عبد البر: لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الوتر حديث مسند.
فالسنة أن يكون الدعاء في الوتر، سواء كان ذلك قبل الركوع أو بعده .
رابعًا: هذا الدعاء لا مانع من إطالته بمناسبة ختم القرآن إطالة غير شديدة. وجاء عن إبراهيم النخعي عندما سئل عن مقدار القنوت في الوتر.
فقال: [ بمقدار سورة الانفطار!! ].
وعندما ذكر هذا لـأحمد رحمه الله قال: هذا قليل. وأجاز الزيادة على هذا.
وبالنظر لما نقل في قنوت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، وقنوت أصحابه رضي الله عنهم، نجد البون الكبير بين مقدار ما قنتوا به وما يفعله بعض الأئمة كماً وكيفاً، مما يصل إلى حد الإطالة والإملال والخروج عن المقصود في الدعاء، ويتعب من بعدهم ويكره إليهم عبادة ربهم.
ولا مانع من إضافة أدعية تتعلق بالقرآن الكريم، مثل ما يقول بعض الأئمة: اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم. اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل القرآن لنا شفيعًا.. إلى غير ذلك من هذه الأدعية، وهذه ملائمة جيدة.
أما الدعاء الشائع عند الناس، الذي يبدأ بقولهم: (صدق الله العظيم الذي لم يزل عليمًا قديرًا، صدق الله ومن أصدق من الله قيلاً، صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ما قال ربنا من الشاهدين، ولما أوجب وأنزل غير جاحدين..) إلخ؛ فهذا لا أصل له، والأولى تجنبه، وبخاصة أنه انتشر عند الناس، حتى ظنه بعضهم من السنن، فلو تركه أحد لأنكروا عليه، وقالوا: خالفت السنة.
ولو قرأه أمام لم يحسن مخالفة المأمومين له، ولا أن يكون ذلك سبباً لإثارة الخلاف، والقيل والقال، فالأمر يسير، والحرص على وحدة القلوب وسلامة النفوس أهم من مراعاة فرع أو جزئية من هذا القبيل.
ولا ريب أن مما يدخل في المنع أن بعض الناس يزيد في دعاء ختم القرآن مواعظ تتعلق بذكر القبر، وما يقع فيه من عذاب، والصراط، والبعث، والجزاء، والحساب، والجنة والنار وما يقع فيهما .
ولاشك أن هذا ليس محله؛ وربما أوصل بعضهم إلى بطلان صلاته؛ لأن هناك من يحول الدعاء إلى موعظة وتذكير.
إذاً: فالتفصيل في مسألة الختمة أمر جيد، وهو قول وسط بين المانعين بإطلاق أو المجيزين بإطلاق.
على أن الأمر لا ينبغي التشديد فيه فيما يبدو، فحتى الذين يقرءون دعاء الختمة في غير الوتر أي يقرؤونه في صلاة ثنائية من التراويح يقولون: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة الفجر ) كما ثبت ذلك عنه مرات، بل ثبت عنه القنوت في غير صلاة الفجر: في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء في أحاديث عديدة، فيقول هؤلاء: هذا من هذا. وإن كانت العبادات ليس فيها مجال للقياس، وإنما مبناها على النص والتوقيف .
والقدر المتفق عليه هو إقبال الناس على صلاتهم، وظهور أثرها في معاملاتهم، وفي حسن إدارة الخلاف بينهم، ووضع الأمور في نصابها وعدم الإسراف في الإنكار.