الرئيسة المقالات1430 هـبين طريقين!

بين طريقين!

قبل نحو نيف وعشرين سنة؛ كان يصلي في الحرم الشريف، ويسمع خلفه حواراً محتدماً، حانت منه التفاتة ليرى الفتى عبد العزيز رحمه الله وهو يزمجر بحدة وقطعية، ويهز يده مؤكداً أن الطريق واحد وواضح لمن أراده وفتح الله عليه وخلصت نيته، وأن الجماعات والحركات ليست سوى أحابيل شيطانية، لبس بها على بعض العباد، وغرهم وصدهم عن السبيل!
عبد العزيز هذا؛ ذهب في أحداث الحرم، وكان ممن حمل السلاح، واستحل حرمة البيت متأولاً! وتبين أن الطريق الذي كان يقصده ليس صحيحاً، بل وليس طريقاً أصلاً، وأن الأحابيل واللبس والغرور كان ضمن مفردات يمكن أن يوصف بها ما كان يدافع عنه بحماس!
لو كان للإصلاح طريقان: أحدهما سريع يختصر المسافة، ويحقق الإنجاز، ولكن فيه التضحيات الجسام والمشاق والصعاب، والآخر طويل بطيء، ولكنه طريق السلامة والراحة؛ لكان الحزم والحكمة يقتضي أن نسلك الطريق الأول؛ مهما اكتنفه من العناء، وصاحبه من المكاره .
ولكن الذي يحدث عادة هو الخيار بين طريقين..
طريق طويل بطيء، لا يصبر عليه إلا القلة من الناس؛ لأنه يتطلب أناة وحلماً وفهماً ومعرفة بالسنن الكونية وطبائع الأشياء وقوانين المغالبة، وإدراكاً لأحوال المجتمعات ومدى تقبلها للتغيير، والقوى المؤثرة فيها.
ومن عرف مجمل الصورة، وتذرع بالصبر والإيمان، ورزق الصدق والإخلاص، أحدث شيئاً من التأثير يزيد أو ينقص، وقد يقابل تأثيره تأثيرات سلبية لقوى معارضته، وربما صار الداعي إلى أن يقبل أن يكون له من الحق والحرية مثلما لغيره، كما قال موسى عليه السلام: (( أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ))[الشعراء:17]، وكما قال شعيب عليه السلام: (( وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ))[الأعراف:87].
وكما قال محمد صلى الله عليه وسلم عن قريش: ( ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس ) فتكون الغلبة في التأثير لمن هو أمضى سلاحاً وأقوى حجة، وأمكن من الآلة الإعلامية والقوة الاقتصادية والتمكين السياسي، وقلما تجتمع هذه لطرف واحد..
فهذا طريق في الجملة، يعتمد على نشر القيم والمبادئ الصحيحة بالأسلوب الحكيم الصبور الصادق، والمدافعة بالتي هي أحسن، ومجاراة النواميس الإلهية الغالبة، وبقدر وعيه وحسن إدارته لمؤسساته، وامتلاكه للأفكار الصحيحة السليمة المنعتقة من سطوة الخصوصية النفسية أو المدرسية أو البيئية أو الحركية؛ يكون نجاحه وامتداده.
وبقدر خضوعه لمثالية خاصية، أو رؤية ضيقة لا تستوعب الناس؛ تكون عزلته وتكثر العوائق من حوله.
وهذا طريق لاحب ممتد واسع سعة الاجتهادات والرؤى والمدارس المنتمية للإصلاح الهادئ الرشيد المعتدل.
وليس هو حكراً على جماعة أو فئة أو مدرسة أو مؤسسة أو شخص كائناً ما كان تأثيره وامتداده.
وبإزائه طريق آخر يستعجل الخطى، ويؤمن بالحسم، وعدته في الغالب ثقة داخلية مستحكمة، وإيمان تام بصوابية الموقف، وإلغاء لكل وسيلة أخرى، واستخفاف بالقوى المضادة، وغفلة عن سنن الله في الكون والحياة، وغياب عن فقه التغيير، وإعمال لظواهر من النصوص لم تفهم حق فهمها، ولم تتل حق تلاوتها، ووضعت في غير موضعها.
إنه الاعتقاد بأن القوة المادية، قوة اليد والساعد هي الحكم والفيصل، وأن الحياة ما هي إلا ثكنة عسكرية؛ تدين لمن يملك السلاح ويلوح به، وهي لا تكون في موقع قوة أمام خصمها، لكنها تعوض ضعفها بتوظيف نصوص تخولها حق الاعتقاد بالتفوق والوعد بالانتصار، ولا تفيق من غفوتها إلا على وقع هزيمة تلو الهزيمة، وتظل الوعود القادمة المستقبلية، والمراهنة على غيب لا يعلمه إلا الله، تظل تكأة لاستدراج مجموعات جديدة ممن لم يشهدوا التجربة الأولى ونهاياتها البائسة.
إنه الانتحار.. ولكن بحسن نية.
ثمة إذاً طريقان.. إما الإصلاح وإما الانتحار.. والثالث هو طريق الموت البطيء.
أنا هنا لا أتحدث عن شخص ما، وإنما أشير إلى أنماط تفكير متفاوتة، تجتمع غالباً على حسن النية وسلامة المقصد الظاهر، وإن داخلها كلها من الهوى الخفي، أو ما يسميه علماء النفس بتأثيرات اللاوعي ما لا يستنكر، وقد يستغلها أو يستفيد منها من لا يؤمن بمبادئها، ولا يسعى لأهدافها، ولكن صادفها في الطريق، وهذا يقع لهؤلاء وأولئك، والمهم تعاهد العقل بالمساءلة، وتعاهد القلب بتصحيح النية، وتعاهد الأولياء بنصرتهم ظالمين أو مظلومين، كما صح عن سيد المرسلين.
والحديث موصول في قادم الأيام بإذن الله.