الرئيسة مقالات1423 هـبيني وبين ابن جبرين (1-2)

بيني وبين ابن جبرين (1-2)

ثمة قضايا كنت أتابع بها منذ زمن، تثار وتذكى حيناً بعد حين، وكان يقيني أن التشاغل بتفتيت مثل هذه الإثارات انصراف عن الأهم المجدي مما قصدنا إليه، وجعلناه هدفاً نجهد أن ننفق فيه ما أبقى الله لنا من أعمار.
ومع أن القضية تتعلق بشخصي، إلا أني على يقين أن قضيتنا أكبر من ذواتنا، وأن الذي يهمنا ما يقال عن عقيدتنا وديننا وليس عن أشخاصنا .
ولذا تفارطت السنون تباعاً، وأنا في غاية الإعراض عن التشاغل بهذه القضايا أو التعليق عليها، أو التعقيب على الردود حولها.
وكنت أرى أن المسألة ستتحول بمضي الزمن من مرافعات شخصية إلى قضية علمية بحتة، متجردة إلى حد كبير من انفعالاتها وحساباتها الوقتية.
ولذا فإن رسالة وصلتني من سماحة الشيخ/ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله جعلتني أقف لهذا الموضوع هذه المرة وأبين فيه ما عندي، وعسى أن يجعل الله في هذا الأمر خيراً لنا جميعاً.
وكانت رسالة الشيخ عبارة عن سؤال وصله من أحد الإخوة الغيورين ضمنه عدة أسئلة ترجع إلى سؤالين هما مثار الجدل لهذه القضايا أقتصر عليهما.
يقول السائل:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نود من فضيلة شيخنا عبد الله الجبرين الجواب عن الأسئلة الآتية:
ما حكم الشرع فيمن قال عن مغن يجاهر بفسقه ما نصه: (هذا لا يغفر الله له إلا أن يتوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بأنه لا يعافى) ( كل أمتي معافى ).. لأنهم مرتدون بفعلهم هذا ردة عن الإسلام!! هذا مخلد والعياذ بالله في نار جهنم إلا أن يتوب!! لماذا؟ لأنه لا يؤمن بقول الله عز وجل: (( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ))[الإسراء:32] بالله عليكم الذي يعرف أن الزنا حرام وفاحشة ويسخط الله هل يفتخر أمام الناس؟ أمام الملايين أو مئات الألوف من الناس؟! لا يفعل هذا أبداً..؟
فبالله عليك يا شيخ عبد الله الجبرين ما حكم الشرع فيمن قال ذلك؟ وهل يعد من الخوارج؟ وهل نحذر منه نصيحة لله ولرسوله وللمسلمين؟ وهل نصرح باسمه؟ علماً أنه قد نوصح ولم يرجع؟
وما حكم الشرع فيمن فرق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية وقال أيضاً: (إن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله قد وافقني على ذلك؟!! علماً بأن الشيخ رحمه الله قد سئل عن ذلك فقال: لم أوافقه على ذلك، بل قال الشيخ رحمه الله: (الفرقة الناجية هم الطائفة المنصورة )).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وقد تكرم الشيخ عبد الله-حفظه الله- فكتب على الرسالة التعليق التالي، وبعث بها وبالتعليق إلي، ونص التعليق هو:" عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد: أرى أن تحال إلى فضيلة الشيخ سلمان بن فهد بن عودة ؛ ليتولى الإجابة عنها ، فله - وفقه الله - اختصاص بهذه المواضيع ، ويمكن تولي مناقشة هذه المسائل معه، وسوف يقتنع السائل بما لديه من الجواب إن كان قصده الصواب، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم 22/12/1422هـ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين التوقيع.
وإنني حريص على التعقيب بما لا يجرح شعور الأخ السائل، مبيناً في ذلك ما يزيل اللبس ويكشف الإشكال -إن شاء الله- فالقول الأول المتعلق بالغناء ورد في كلمة ألقيتها بعنوان (جلسة على الرصيف) ومثله القول الأخير المتعلق بـالفرقة الناجية ، و الطائفة المنصورة .
وقد أشار الأخ الكريم إلى أن المتكلم نوصح فلم يرجع، وكأنه فهم من هذه الكلمات أنني أكفر أصحاب المعاصي، وهذا الكلام وإن كان يوهم ظاهره ما أشار إليه الأخ السائل لو كان منبتاً عن سياقه، وعن حال قائله. ولكن من المعلوم أنه كلام كنت ألقيته ارتجالاً في محاضرة عامة، و الكلام الشفوي لا يستحضر المتكلم فيه إيراد المحترزات واللوازم بقدر ما يحرص على إيضاح الفكرة العامة التي يتكلم فيها، ومن المعلوم لدى أهل العلم أنه لا يؤخذ أحد بمفهوم كلامه إذا كان له منطوق كلام صريح بخلافه، كما قرر ذلك الإمام ابن الوزير في العواصم والقواصم وحكاه اتفاقاً بين أهل النظر .
والأصل أن حال المتكلم ومشهور قوله كافية في إيضاح مراده، ومع ذلك فإني أوضح الأمر لمن يكفيه الإيضاح فأقول: إن أهل الإسلام كافة لا يكفرون أصحاب الذنوب ما لم يستحلوها، لا يخرج عن هذا إلا فرقة الخوارج ومن سلك سبيلهم، ممن استحلوا دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم بغير حق.
وهذا المذهب الفاسد معروف من ينتحله ويذهب إليه، وليس ثمة حاجة إلى اقتناص شوارد يدان بها هذا أو ذاك، فإن الأصل في المسلم السلامة، وإذا ادعى مسلم أنه لا يقول بهذه المقالة فالجدير أن تقبل دعواه، ويوكل أمره إلى الله، ولا يكلف بالتزام القول ثم الرجوع عنه.
لقد جاء المنافقون إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أعقاب غزاة تبوك يعتذرون إليه، فقبل منهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله.
ونحن اليوم ننادي بتحقيق هذا القدر من التعامل الحسن بين المؤمنين الذين جمعتهم لحمة الدين والإخاء الشرعي، أن يقبل بعضهم من بعض، ويستغفر بعضهم لبعض، ويحسنوا الظن فيما بينهم، ويكلوا السرائر إلى الله.
وهذا القول المذكور لا يُقصد به المعنى الذي ظنه السائل، خاصة وأن في نص الكتاب المطبوع ذكر الزاني، وتغريره بالفتيات، وذمه من لا يفعل مثل فعله، وأنه يعد الزنا من الفتوة والرجولة والكمال، ويستخف بمعصيته مع أن الله تعالى يقول: (( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ))[الإسراء:32] فهل يفتخر الذي يؤمن أن الزنا فاحشة تسخط الله؟!
وهذا يعني أن المقصود ليس الغناء أصلاً، وإنما التمدح بالفجور والزنا والثناء عليه وعلى أهله وانتقاص من لا يفعله بأنه ليس لديه الفتوة، والرجولة والقوة، وبين هذا وذاك فرق كبير.
إن الألفاظ وعاء المعاني، فإذا ظهر المعنى حسن التجاوز عن اللفظ ولو كان فيه نقص أو إخلال أو حتى خطأ .
وقد حكى لنا الرسول صلى الله عليه وسلم قصة الرجل الذي قال: ( اللهم أنت عبدي وأنا ربك )، فغلبه الحال عن المقال.
فلا تحمل مقالات الناس فوق قدرها ونصابها، ولا تعزل عن سياقها الخاص والعام، ولا يتطلب من ورائها معنى وقر في ذهن السامع أو القارئ فأصر على الإلزام به؛ لأن المقصود -إن شاء الله- هو البيان والنصيـحة، مع الشفـقة والرحمة، وحب الخير للناس.
إن للخوارج مسلكين فاسدين يعزز أحدهما الآخر:
أولهما: مسلك الغلو في الاعتقاد، الذي ظنوه تعظيماً لحرمة الشريعة، وخرجوا به عن حد الاعتدال إلى الإفراط بتكفير أصحاب المعاصي.
وثانيهما -وهو تفريع على الأول-: يتمثل في العدوان على المسلمين والجور في معاملتهم، فاستحلوا دماءهم وأموالهم وأعراضهم.
وليس في جمهور المسلمين -بحمد الله- من ينتحل صريح رأي الخوارج في الغلو والتكفير بالمعصية إلا فئة قليلة لا شأن لها، وعسى الله أن يكف بأسهم، ويهدي قلوبهم، ويحفظ المسلمين من شرهم.
ولكن هناك من يتجرأ على دماء المسلمين وأموالهم بتأويل فاسد، وهذا خطير، وقد كتبت حوله الكثير، وحذرت من مغبته، وإن كان علاج مثل هذا يتطلب الجد في إزالة أسبابه ودوافعه والتي منها الحجر على الدعوة ومحاربتها، واضطرارها إلى المخابئ البعيدة عن التدارك والتصحيح.
ويوجد وراء هذا وذاك من أهل الخير والتفقه ممن لا يقولون بقول الخوارج وربما أعلنوا عليه الحرب والنكير، لكنهم يقتبسون منهم مسلكهم في القسوة على مخالفيهم، ومحاصرتهم بالتهم، فهذا زنديق، وهذا مبتدع ضال، وهذا خارجي، وهذا مرجئ.
دون أن يكون لهم في ذلك بصر ولا أناة، أو يكونوا من أهل العلم المحتكم إليهم في هذه المسائل، وقد يصبح معقد الولاء والبراء على مثل هذه الأغلوطات، وربما استقر في ذهن الشاب (حديث السن) معنى قريب فتشبث به وجادل حوله، وأضاع فيه أثمن سني عمره، إذ كان خليقاً أن يصرف في البناء والتكوين العلمي والسلوكي.
إن التصحيح والبيان واجب، على أهله الذين هم أهله، ممن يملك العلم والرحمة معاً (( آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ))[الكهف:65].
ولقد يدرك أولو الألباب الجهود الإسلامية التي يأكل بعضها بعضاً، ويدمر بعضها بعضاً، مع مسيس الحاجة إليها والعجز المستحكم عن مدافعة العدو الصريح الذي سلب الديار، ونهب الأموال، وصار يتدخل في خصوصيات المسلمين ومعاقد حياتهم.
وأظهر منه ضعف تبليغ الإسلام إلى البشرية، ففي الوقت الذي يحتدم الجدل والتمحك بيننا في مسائل ما كانت لتبلغ ما بلغت لولا أننا ألححنا عليها وأكثرنا من الدوران حولها، في الوقت نفسه يظل أربعة من كل خمسة في الأرض كلها من غير المسلمين، وممن لم تبلغهم رسالة الإسلام غالباً.
ونحن نرى أن هذه وتلك هي المعارك الجادة التي يجب أن نتأهل لها، أما العراك مع إخواننا فنؤثر طيه وتجاوزه، وقبول العذر، وإحسان الظن، ونؤثر لكل شاب يُجر إلى مثل هذه المنازلات ألا ينجر إليها بحال، وأن يؤثر العفو والصفح والتسامح، وعدم أخذ الأمر بالشدة، وللإخوة الذين يقولون: إنهم يدافعون عن بعض الدعاة أو يحمون أعراضهم أقول: أحسنتم وأجملتم، ولكن كان أولى بكم أن تنشغلوا بما هو أهم من ذلك من الدفاع عن الإسلام والعقيدة، وتصحيح أحوال المسلمين، أو دعوة غير المسلمين أو بناء الدنيا أو بناء الدين.
إنه قد لا يضير إنساناً أن يموت موحداً، ولكنه يسيء الظن بي عن اجتهاد، أو عن تقليد لمن ظهر له صلاحه، ولكنه يضيره أن يموت جاهلاً بالله أو بدينه وشريعته، أو بكتابه، أو برسله .
وإذ نحن مسـلّمون بمحدودية الجهد الذي نبذله فلم لا نختار له أهم المواقع وأنفعها؟