الرئيسة المقالات1434 هـكرامة سجين

كرامة سجين

حين تصبح سجيناً تتحول من إنسان إلى رقم مجرد!
تنزع منك بقايا الحرية؛ فيصبح نومك، وأكلك، وشربك، ووصالك، ووضوؤك، و.. و.. بيد غيرك.
تعزل عن العالم فلا تعرف القريب أو البعيد من الأحداث حتى ولادة زوجتك أو مرض أبيك أو وفاة عمك أو كسر ذراع طفلك!
تصبح معلقاً بالانتظار فقط.. متى تفتح نافذة الطعام؟ ومتى أذهب للتحقيق؟ ومتى يأتي (المقضي) أو (المشمس)؟ ومتى سوف تفتح الزيارة؟ ومتى.. ومتى..؟
يوماً فيوماً تشعر بأنه لا أهمية لك البتة، ولا أحد يعنيه أمرك، وتدرك أن قاطرة الحياة تسير من دونك، وكل الناس منهمكون في أعمالهم غير مكترثين لك.
وتبدأ التساؤلات الصعبة تثور في الأعماق:
أو لم يكن خيراً لنفسي أن أرى            مثل الجموع أسير في إذعان؟
ما ضرني لو قد سكت وكلما            غلب الأسى بالغت في الكتمان؟
والظلم باق لن يحطم قيده            موتي ولن يودي به قرباني
ويسير ركب البغي ليس يضيره            شاة إذا اجتثت من القطعان!
حين ينادى في السماء بفتح الأبواب تجري على الأرض أحداث غريبة ربما لا تظهر علاقتها بالأمر، ولكنها تحضر الجو لفرج قريب.
الشفاعات كلها ذهبت أدراج الرياح، والخطابات، والمقابلات، واللاءات، والولاءات.. وكل ما هو آت آت!
اسم الفتاح الذي هتف به؛ ملهوفون، ومحروبون، ومكروبون.. تفتحت له أبواب السماء من حيث لا يحتسبون، وبدأت العجلة المتوقفة تتحرك ببطء ثم تتسارع قليلاً قليلاً.
يخرج السجين (ص)، فيفرح به أهله، وفي النفوس غصة، وفي عيون الأطفال تساؤل، وفي قلوب الأمهات جراح لا تندمل..
لماذا؟ وماذا؟ وهل؟
الجيران يتحاشون اللقاء؛ خوفاً من العيون المتلصصة، ومن يضطر للسلام يلمح عن الانتقاد بكلمة الله يهديك!.
إذا أنت على غير طريق سالك..
الأصدقاء انفضوا، والجماعات تفرقت.. الوظيفة قد سحبت، وعليك أن تبحث بنفس طويل عن عمل، ومن ذا سيقبلك؟ أو أن تقبل مد اليد أو أن تكون عالة على أسرتك ووالدك!
أعزب يشك أنه يمكنه الزواج في وضع كهذا أين يسكن؟ من أين يعيش؟
حتى فكرة من أنت؟ وما تاريخك؟.. قائمة لدى بعضهم!
الدراسة مقطوعة والجو أصبح بعيداً وغير مألوف.. كيف سيعود؟
خرج من سجن ضيق يوفر له السكن والطعام، ويعفيه من التطواف.. إلى سجن كبير؛ يلاحقه حيثما ذهب، ويحمله مسؤولية نفسه دون أن يوفر له أسباب النجاح.
قد يجد في رفاق الدرب الذين شاركوه ألم المعاناة وفرحة الإفراج؛ امتداداً طبيعياً، وتقارباً فكرياً.
وسيكون استذكار ما حدث وجمعه وإحياؤه في الذاكرة مادة جوهرية لقضاء الوقت.
كما الحديث عن المستقبل والبدائل على ضوء حضور العقل الجمعي؛ الذي يحدد المسارات، ويرسم المعالم، ويذلل الصعاب.
ما معنى أن تخرج سجيناً وتتركه يواجه صعوبات الحياة بمفرده، وأنت تعزله عن فرص النجاح أو -على الأقل- لا تبالي به نجح أم أخفق؟!
أين دور رجال الحي؛ الذين يجب أن يستوعبوا المولود الجديد، ويعيدوا إليه إحساسه بالكرامة؟ ويحسنوا التوجيه؛ بعيداً عن التوبيخ، والتعيير، والتعنيف، واللوم المكرور!
هل نملك ثقافة إعادة الكرامة الإنسانية إلى إنسان ظل محروماً منها لسنوات أم سنزيده هواناً وإحساساً بفقدان الانتماء؟
كيف نستغرب أن نسمع عن حالة تسلل إلى ميدان يلائمه أو صدام جديد أو انعزال أو انطواء؟
إذا لم نشعر بمشاعره ونقف معه ونسنده.. فعلينا أن لانفرط في التوقعات الوردية.
هلم بنا الآن نزور مفرجاً عنه، ونهنؤه بالسلامة، ونضاحكه، ونتبسط معه.. دون أن يكون هدف الزيارة نصيحة أو نقداً أو تقويماً لشخصيته، وما كان، وما صار..
دعونا نكف عن الاتهامات الجزاف، والتصنيف المتسرع، ونعود إلى حفظ كرامة الإنسان، وأخوة المسلم، وحسن الظن به، وتوقع الأفضل منه..
دعونا نساعده في بناء المستقبل، وتذليل الصعاب، وإعادة اللحمة، وتجاوز الماضي.
حين نشهد حالات إفراج متعددة فعلينا أن نسر بها، وفي الوقت ذاته أن نتساءل عن دورنا وواجبنا تجاه هذه الأرواح المضحية؛ التي تبحث عن الطريق فتخطئ وتصيب.