الرئيسة المقالات1433 هـالحياة تحد ..

الحياة تحد ..

كم عانى في بيته الأول من صعوبات لم ولن يبوح بها.. لأنه لا يتذكرها.. ولا يتذكر الألم الذي لابد أنه عصره خلال مغادرته الرحم!
يعلم جيداً أن إرادة إلهية كانت تدفعه دفعاً باتجاه الطريق إلى الحياة الجديدة التي سيرى فيها نظراءه (( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ))[عبس:20].
الحياة فرصة جميلة.. والفرص الجميلة عادة ما تكون محوطة بالصعوبات والتحديات التي تحفز وتستحث الإرادة.
بكاء المولود ليس تعبيراً عن التشاؤم من الحياة، بل إيذان بأن عليه من أجل الحصول على المكاسب والإنجازات أن يتحمل المخاطر والصعاب!
عالم مزدحم بالفرص كما هو مزدحم بالناس، فيه التنافس الشريف، والتدافع القدري، والتحاسد والتحاقد المبني على البغي والظلم: (( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ ))[البقرة:251].
الخلاف بين الناس يولد صراعات، ويفجر حروباً قد تكون آلتها الكلمة، أو الطلقة، وربما كلما مشى انفجر به لغم أو شهر سلاح ولو كان لا يدري.. لماذا؟ وممن؟
هي الحياة مشحونة بالصراع ولا تتضح فيها الحقائق دائماً، وحين طلب موسى من ربه أن يكفيه ألسنة الناس، أجابه بأنه لم يجعل ذلك لنفسه سبحانه فكيف بغيره؟
عليك أن تنظر إلى المعوقات والعقبات التي تعترض طريقك على أنها محفزات ومحرضات لاستخراج المزيد من الطاقة والحيوية والفعل.
قد تجبرك على التقارب مع الآخرين الذين تجمعك بهم قواسم مشتركة، أو تفعل طاقاتك المكنونة المكبوتة، أو أن تستمتع بهذه التحديات وتقرأ وجهها الإيجابي العاجل أو الآجل.
شر التحديات أن ينشأ المرء وكل مطالبه متاحة، وحاجاته موفرة، إنه الترف الذي يقتل طموحه، ويئد خياله، ويستل روحه ليعيش جسداً خاوياً لا يعرف لذة الحصول على الأشياء؛ لأنه لم يقاس مرارة الحرمان.
أن يكبر دون أن يشعر بالحاجة إلى المقاومة أو الإبداع أو الكدح الذي هو طبع الحياة..
حين ناظر أبو الوليد الباجي ابن حزم قال الباجي: أنا أعظم منك همة في طلب العلم؛ لأنك طلبته وأنت معان عليه، تسهر بمشكاة الذهب، وطلبته وأنا أسهر على قنديل حارس السوق!
فقال ابن حزم: هذا الكلام عليك وليس لك، لأنك طلبت العلم في تلك الحال الرثة رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبته في الحال التي تعلمها من السعة والغنى، فلم أرج به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والآخرة.
حين تبرز الموهبة في مناخ الترف والاستهلاك فهي إذا موهبة نادرة وعصية على التذويب.
الحضارة التي بناها الإنسان هي استجابة للتحديات الملائمة لقدرته.
حين يحول المرء العائق الموجود في خارجه إلى طاقة تستفزه من الداخل يصبح التحدي دعوة مفتوحة للنجاح والتفوق.
وحين تكون الإعاقة من داخل النفس فليس يفيد أن تكون العوامل الخارجية كلها في صالحك!
القارب المعطوب لا يصلحه أن تأتي الريح كما يشتهي!
غياب التحدي يقتل الكفاءة ويضعف الإرادة ويولد الاسترخاء والقعود، ويثير أسئلة التشكيك في جدوى الحياة!
الطفل الأول تحد في التربية والاهتمام، وتقول تقارير أن: (70%) من رؤساء الولايات المتحدة كانوا يشكلون الطفل الأول في الأسرة.
والنابغون في الاقتصاد والإعلام والإدارة كذلك.

التنافس على حضن الأبوين تحد يخوضه الصغار بوسائلهم الفطرية الأزلية والفعالة في الوقت ذاته، ومنها الطاعة والبكاء والتمارض!
الأنوثة تحد يحمل الفتاة على التفوق في الدراسة والعمل والإحسان للأسرة.
وراء النجاح الذي تراه لفتى أو فتاة منظومات لا مرئية من المحاولات والفشل والإخفاق، ومن التجارب الصغيرة الناجحة والتي كانت فرصة لتذوق طعم النجاح.
حين تكون المهمة عسيرة يبدأ الاستعداد لها مبكراً، ويتحرك القلق الإيجابي من الأعماق، وحين تكون سهلة يستهين بها ويؤجلها حتى تفوت الفرصة!
النقد تحد والعقول المختلفة حين تتضافر على تكميل عمل ما؛ بحث، أو نظرية، أو كتاب، أو مقال، ستلقحه وتنقحه، وتعري جوانب الخلل فيه ليصاغ صياغة أجمل وأكمل، والنقد الهدام تحد يجعلك تتشبث أكثر بالمعالي، وتواصل السير بصبر وثقة، وتردد:
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا            فأهون ما يمر به الوحول!
سر التفوق على التحدي أن تكف عن توزيع المسؤوليات على الآخرين ونسبة الأمر إليهم، بدءا من الاحتجاج بالقدر، أو بكيد الشيطان، أو بالأعداء التاريخيين، أو بالخصوم الصغار، أو بالبيئة، أو بالتاريخ، أو الظروف، أو الجن والعفاريت!
افرد صدرك وتحمل تبعاتك، ولا تكن قلقاً من تبعات تحملها وفي ظنك أن غيرك المسؤول عنها فما نصاك الناس إلا لجدارتك واستحقاقك!
كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع أصول النجاح في مقاومة الصعاب حين يقول:
أولاً: (احرص على ما ينفعك).
ثانياً: (واستعن بالله).
ثالثاً: (ولا تعجز) (لا تمل من المحاولة)
ربعاً: (وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا.. ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل). رواه مسلم عن أبي هريرة.