الرئيسة المقالات1433 هـأقدار الحسنة والسيئة

أقدار الحسنة والسيئة

كان مسافراً للعمرة، ومرَّ على جاره يسأله: هل من وصية من المدينة النبوية؟
خرج الجار يُشيِّعُه إلى الباب المتهالك بحفاوة، وهمس في أذنه أن سَلِّم لي على رسول الله، وأخبره بما رأيت من حال منزلي، ورثاثة أثاثي، وفقري.. وقل له يدعو لي!
حين آب الرجل من سفره بادره بالسؤال عما جرى، فقال له: قد استحييت أن أُحدِّثه بشيء من وصيتك؛ لأني وجدت بيتك أحسن حالاً من حجراته، وقد صبر فيها على شظف العيش حتى لَقِيَ ربه وما شبع من خبز الشعير!
والله قد فتح لك باب العمل والاجتهاد في طلب المباح، كما فتح لك باب الاستعانة به على ذلك، وعلى مصابرة الآلام والضيقات حتى يجعل لك العسر يسراً، والكهف رحمة، والشِّدة نعمة.
من الجميل ألا يعتاد المرء على حال واحد في الحياة، فمن سُنَّتها التحوُّل والتغيُّر، وقصص الملوك في السجون؛ كما المعتمد بن عباد، وكما حسني مبارك، وغيرهم كثير، كقصص البسطاء الذين مدَّ الله لهم في الرزق، وأوسع عليهم العطاء، ورفع منازلهم بما لم يكونوا يظنون، وكلها توحي بأن على العاقل ألا يركن إلى حال واحد، (فَحَق على الله ألا يرتفع شيء من أمر الدنيا إلا وضعه).
ملكنا أقاليم البلاد فأذعنت            لنا رغبة أو رهبة عظماؤها
فلما انقضت أيامنا علقت بنا            شدائد أيام قليل رخاؤها
وصرنا نلاقي النائبات بأوجه            رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها
إذا ما هممنا أن نبوح بما جنت            علينا الرزايا لم يدعنا حياؤها
وجاء في الحديث القدسي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن ربه تعالى وتقدس قال: ( وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، وإن بسطت له أفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا السقم، ولو أصححته لأفسده ذلك ).
قال أبو نعيم: غريب من حديث أنس، لم يروه عنه بهذا السياق إلا هشام الكناني، وعنه صدقة بن عبد الله أبو معاوية الدمشقي، تفرد به الحسن بن يحيى الخشني.
هذا واحد من معاني الابتلاء بالحسنات والسيئات: أي: بالغنى والفقر، والصحة والمرض، والكثرة والقلة، والرفع والوضع..
وثم معنى آخر وهو: الابتلاء بالطاعة والمعصية القلبية والبدنية؛ ليظهر الصادق من غيره، والمحافظ من المضيع، والمخلص من المرائي، والمعجب من المتواضع.
قد يبتلى بمعصية تكون سبباً في انكساره، ولزومه باب الذل لربه، وكثرة الاستغفار؛ حتى يرجو أن تكون خيراً مع عاقبة التوبة والندم.
وقد يبتلى بطاعة تكون سبباً في الاغترار والعجب والتكبر، وربما أطلق الفتى شعر وجهه، أو لفت فتاة خمارها وأدارته بإحكام، ثم نظر أحدهما إلى من يظنه دونه في الالتزام نظرة ازدراء أو تنقص، ومضى وهو يستبطن التفوق والاستعلاء على أخيه، وما يدريه أن يغفر الله له ويحبط عمله؟!
في صحيح مسلم عن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّث ( أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك ).
من الابتلاء بالمعصية تيسر أسبابها، ومن العصمة ألا تقدر.. أما اليوم فقل أحد يريد شيئاً من الباطل إلا سهل عليه دركه؛ بما أحدثته التقنية من التيسيرات، وسهولة الاتصال، والعلاقة، والسماع، والمشاهدة، واللقاء، وفنون الإثارة والإغراء؛ التي لا تحتاج إلى شرح لأنها معلومة للخاص والعام!
التربية على لجم النفس، وسرعة الأوبة، وكثرة الاستغفار، والتعويض بالأعمال الصالحة، والأدب مع الله ومع عباده، ومحاذرة اليأس والقنوط، ومداخل الشيطان.. سألني فتى يهم بهجر والده لأنه اكتشفه يخون، فقلت له: ذنب العقوق لا يقل خطراً عن الخيانة، ولا يغسل الدم بالدم!
التربية الصحيحة هي تلك التي تنمي القناعة والمناعة الذاتية، وليست التي تقوم على العسف والحرمان دون ملامسة للمشاعر الإنسانية، وبناء الذات، وزرع الثقة والمسؤولية.
قل إنسان مؤمن إلا وله سريرة من عمل صالح؛ يرجو بها ثواب ربه يوم يلقاه!
وقل إنسان إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق.
(إن المؤمن خلق مفتناً تواباً نسياً إذا ذُكر ذكر ).
وهذا لفظ حديث رواه الطبراني (3/136/2): عن ابن عباس مرفوعاً، وصححه الألباني، ونازع في ثبوته جماعة من أهل العلم، وقد صنف الشيخ محمد عمرو عبد اللطيف جزءاً انتهى فيه إلى ضعفه.
المؤمن بين الخوف والرجاء لا يستهين بذنبه، ولا ييأس من رحمة ربه!
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي            درك الجنان بها وفوز العابد
ونسيت أن الله أخرج آدم            منها إلى الدنيا بذنب واحد
لو أذنبت ألف مرة، أو مائة ألف مرة.. فعليك في كل مرة أن تستغفر الله، وتعتذر إليه، وتطلب صفحه وعفوه، وأخطر ما في الذنب هو أن يحول بينك وبين الأمل فيه، والتوجه إليه، وأن يقطع طريقك القاصد حتى لا تطمع في رضاه ومغفرته.
وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن ربه عز وجل قال: ( أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب واعمل ما شئت فقد غفرت لك ).
عليك ألا تجزم بأن الحديث ينطبق عليك؛ لأنك لا تدري أن حال قلبك من الإخبات، والانكسار له، والندم، وأسباب مقاومة المعصية.. كحال ذلك المغفور له، ولكن أن تحاول، وتجتهد، وتتذكر أن القنوط من رحمته ضلال، واليأس من روحه كفر.