الرئيسة المقالات1432 هـمزالق الحوار (2/2) (23)

مزالق الحوار (2/2) (23)

خامساً: الجدل العقيم:
وهو الدوران حول الرأي دون استماع للآخر، كما حدثتني إحدى الفتيات بأنها ظلت لسنوات وكأنها حبيسة في غرفة زجاجية ترى الناس ويرونها، لكن لا تسمعهم ولا يسمعونها؛ لأنها تدور حول موضوعات وآراء مسلمة لديها، مهمتها إقناع الآخرين بها، دون استماع لما لديهم.
ومن ذلك ما يسميه الفقهاء: تحرير محل النزاع.
فإن كثيراً من المجادلات والحوارات يتيه فيها المتحدث والسامع، ولا يحدد المسألة التي يدور حولها الحديث، وقد يتحدث أحدهم عن شيء، والآخر عن غيره، لتقارب المسائل أو التباسها، أو تشابه الأسماء.
سادساً: الأحادية:
وأعني بها ما حكاه تعالى عن فرعون: (( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ))[غافر:29]. بحيث يدور الشخص حول رأيه ووجهة نظره التي ليست شرعاً منزلاً من عند الله تعالى، ولا قرآناً يتلى، ولا حديثاً، ولا إجماعاً، وإنما هو رأي قصاراه أن يكون صواباً فيتحلق حوله هذا الشخص وآخرون، ويصبح مدار الأمر عليه.
سابعاً: القطعية:
وأعني بها: قولي صواب لا يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ لا يحتمل الصواب.
ويا ليت القطعية تعني الوقوف عند محكمات الشريعة المنـزلة، أو ثوابت الإجماع القطعي، إذاً لكانت خيراً وبراً، ولكننا قد نغفل أو نتعامى عن بعض هذه المحكمات إذا لجت بنا الخصومة، وتصبح قطعياتنا مسائل إلحاقية جزئية، أو ذوقيات أو ما شابه.
ثامناً: التسطيح والتبسيط:
فالأشياء التي يشق علينا فهمها، أو التي تحتاج إلى تأمل أو تدبر أو روية أو بحث، هي أشياء خاطئة ومخالفة للحق، ومخالفة للسنة، والذين يتحدثون فيما لا نفهم هم مهرجون، وتجار كلمة، أو فلاسفة، أو متقعرون يتظاهرون بالعلم والمعرفة، وكأننا أصبحنا بإمكاناتنا العقلية المتواضعة حكماً على الناس، ونسينا قول عمرو بن معد يكرب:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه            وجاوزه إلى ما تستطيع
تاسعاً: الإطاحة:
والتنادي للحملات التشويهية التي تستهدف من لا يوافقنا، وكأن في يدنا الرفع والخفض، وكأن رسالتنا أصبحت محصورة في تعويق من لا نحب، وصرنا بهذا نعرف ما لا نريد، ولا نعرف ما نريد، وصار لكل شهير أو عالم أو داعية أو قائد خصوم يقصرون حياتهم على نشر الشائعات، وتشويش الرسالة، وطرح الاتهامات، ونبش الأرشيف، وتضخيم الأخطاء.
ومن قبيل هذا: ما تجده في بعض القنوات الفضائية والإلكترونية من حوارات يغلب فيها اللجاج والصخب، والفجور في الخصومة:
* فلان لا كرامة له عند الله تعالى، وعند كل موحد لله العظيم.
* فلان ليس له عند الله من خلاق.
فانظر الجراءة على الله وعلى عباده الصالحين، حين تتحول أذواقنا أو مشاعرنا السلبية تجاه هذا الشخص الذي لا نحبه أو لا نحترمه وليكن مخطئاً أو منحرفاً إلى ضابط للحكم عليه بأنه لا قدر له عند الله، ولا عند الموحدين من عباده، مع أنه ما زال مسلماً يؤمن بالله العظيم!
ومن ذلك: قول بعضهم:
* فلان مات، فإلى جهنم وبئس المصير.
وقد تقال هذه الكلمة في حق إمام، أو شيخ فاضل، أو داعية صادق، أو مؤمن نحسبه والله حسيبه، ولكن الذين لا يفقهون يتجرؤون ويطلقون ألسنتهم ولا يتورعون.
أو قولهم:
* فلان منحرف في العقيدة، مفتون في نفسه.
وقد يكون أصفى من القائل عقيدة، وأصدق منه مذهباً، وأقوم قيلاً، وأهدى سبيلاً.
أو قولهم:
* فلان كافر.
* فلان من المنافقين.
وكأن صاحبنا أخذ ذلك عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أو تلقاه عن جبريل الأمين عليه السلام.
وهذا كله يقتضي تزكية النفس، والثناء عليها، سواء شعر القائل بذلك أم لم يشعر، فيصف نفسه أنه من الناجين، ومن المؤمنين الصادقين، ومن المخلصين، وأنه غيور على دين الله ناصح لعباده، والكبر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( بطر الحق وغمط الناس ).
هذا الكلام المندفع المتجرئ يقال بسبب الخلاف في مسائل اجتهادية أو خلافية فيها أخذ ورد، وتعارض ظاهر في الأدلة.
وحتى لو كان ما تقوله صواباً قطعاً، وما يقوله الآخر خطأ قطعاً، فإن من الحكمة أن تبدأ الدعوة والحوار بدائرة المتفق عليه، كما علمنا ربنا عز وجل فقال: (( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ))[آل عمران:64].
بل علمنا الله تبارك وتعالى أعظم من هذا، فقال سبحانه وتعالى: (( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ))[سبأ:24-25].
فانظر كيف جاء تعبير الإجرام في قوله: (( لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا ))، في حق الرسل والمؤمنين، وجاء تعبير العمل في حق الكفار الذين هم المجرمون في الحقيقة، فقال: (( وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ )). وهذا من باب التنزل للخصم.
وقال الله سبحانه وتعالى: (( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ))[الإسراء:84]. وقال عز وجل: (( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ))[القلم:7]، وقال: (( أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ))[العلق:11-14].
إن سكينة الإنسان، واستقرار نفسه، وهدوء لغته، وحسن عبارته، وقوة حجته؛ هو الكفيل بأن تنصاع له القلوب، وأن يصل الحق الذي يحمله إلى أفئدة الآخرين، وأن يغلب حقه باطلهم.
ومن المؤسف أن تصبح هذه الأمة محل سخرية العالم! خاصة ونحن في عصر التكنولوجيا والاتصال، حيث أصبح العالم جهازاً بحجم الكف، يسمع فيه القاصي كلام الداني.
وهذا الجدل المحتدم العقيم بيننا في قضايا لا طائل من ورائها، وعلى مرأى ومسمع من القريب والبعيد، يجعل الناس يخاطبوننا بقولهم: اتفقوا أولاً على الدين الذي تقدمونه لنا، والتصور والفكر الذي تنتحلونه، ثم تعالوا لدعوتنا، والتزموا بهذه القيم النظرية الجميلة التي تتحدثون عنها قبل دعوة الناس إليها، وحلوا مشكلاتكم قبل أن تفكروا في حل مشكلات العالم.