الرئيسة المقالات1432 هـمزالق الحوار (1/2) (22)

مزالق الحوار (1/2) (22)

إن عصرنا الحاضر عصر انفتاح، تكسرت فيه الحدود وتحطمت الحواجز، إنه عصر الفضاء والإنترنت، وأسلوب المنع والحظر والتشويش لم يعد يجدي، والحل الوحيد هو النزول إلى الميدان، ومقابلة الحجة بالحجة.
ومجالس الناس أصبحت عامرة بالمتناقضات من الآراء والتوجهات، مما يعتقدون وما لا يعتقدون، وما يدركون وما لا يدركون، ولم يعد مجدياً تسفيه الآخرين مهما تكن ضحالة أفكارهم، أو تفاهة حججهم، بل لابد من الاستماع إليهم، واستيعابهم بالإقناع، فالتناسب بين الداء والدواء ضروري؛ حتى يتقبل الجسم العلاج وينتفع به.
ولقد كشفت منتديات الحوار في الإنترنت الخلل الكبير في آلية الحوار، وفي تجاهل الكثيرين لدائرة المتفق عليه بين المسلمين، وأهل العلم، وأهل الدعوة، وأهل السنة، وهي دائرة واسعة جـداً، سواءً فيما يتعلق بالدين وفهمه، أو فيما يتعلق بالمصلحة وإدراكها وتحقيقها، وتجاهل المتفق عليه وإغفاله في مقابل تكريس الخلاف في أمور يترتب عليها آثار سلبية كبيرة، منها ما نشاهده في بعض الحوار الإلكتروني والإعلامي من انتهاكات عالية الخطورة لنظام الأخلاق الشرعي، ومن ذلك:
أولاً: إن لم تكن معي فأنت ضدي:
فهناك المفاصلة، بل والمقاصلة، فبمجرد أن أكتشف أن بيني وبينك نوعاً من الاختلاف أو التفاوت حتى ولو كان في مسائل جزئية أو صغيرة فإننا نتحول إلى أعداء ألداء، بدلاً من أن نكون أصدقاء أوفياء، وقد كان عيسى عليه السلام يقول: من لم يكن ضدي فهو معي. فهذا هو فقه الشريعة، وبل وفقه الحياة، والعلاقات الإنسانية!
ثانياً: الخلط بين الموضوع والشخص:
فيتحول نقاش موضوع أو فكرة أو مسألة إلى هجوم على الأشخاص، وتجريح واتهام، وطعن في النيات، واستعراض لتاريخ هذا الإنسان أو ذاك، ومن ثم تتحول كثير من الساحات إلى أماكن للفضائح والاتهامات، والطعون غير المحققة، ويغدو الاصطفاف حزبياً أو شخصانياً، تؤثر فيه المواقف العاطفية ضد شخص أو آخر، وليس للعقل والحجة والمصلحة فيه حضور أو إعمال.
ثالثاً: تدني لغة الحوار:
إذ يتحول الحوار إلى نوع من السب والشتم، بدلاً من المجادلة بالتي هي أحسن، وكما يشير الأئمة، ومنهم الغزالي وابن تيمية والشاطبي وغيرهم، إلى أنه لو كانت الغلبة في المجادلة بالصياح، لكان الجهلاء أولى بالغلبة فيها من غيرهم، وإنما يكون النجح بالحجة والهدوء. وفي المثل: العربة الفارغة أكثر جلبةً وضجيجاً من العربة الملأى.
رابعاً: القعقعة اللفظية:
والتي نحقق بها أوهام الانتصارات الكاسحة على أعدائنا، ونحرك بها مسيرة التنمية والإصلاح لمجتمعاتنا زعماً وظناً، وقد تسمع من يقول لك: كتب فلان مقالاً قوياً. فتنتظر من هذا المقال أن يكون مقالاً مؤصلاً عميقاً، قد أبدع فيه وحرر وحقق، أو أحاط الموضوع من جوانبه، أو حل مشكلة عويصة، أو طرح نظرية جديدة، فإذا بك تجده مقالاً مشحوناً بالعبارات الرنانة، التي فيها الإطاحة بالآخرين الذين لا يتفقون معه.
وهكذا تبدو القوة في كتاباتنا أو خطبنا أو برامجنا الإعلامية، هي في الصراخ والإقصاء، وتجميع الألفاظ الحاسمة والقاسية وتنزيلها على المخالفين، أو الجرأة على الادعاءات العريضة، حتى لو كنا لا نملك البرهان عليها!