الرئيسة المقالات1432 هـنماذج من اختلاف الصدر الأول (3/3) (20)

نماذج من اختلاف الصدر الأول (3/3) (20)

ومن المسائل التي اختلفوا فيها: مسألة تعذيب المؤمن في قبره ببكاء أهله عليه، فلما بلغ عائشة رضي الله عنها حديث عمر رضي الله عنه: ( إن الميت يعذب ببعض ببكاء أهله عليه). أنكرت ذلك، وقالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه)، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه). وقالت: حسبكم القرآن: (( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ))[الأنعام:164].
وكذلك لما نقل لها مسألة مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم لقتلى بدر في القليب، حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني الله حقاً). أنكرت هذا، وقالت: إنما قال: (إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق). ثم قرأت:(( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ))[النمل:80]. (( وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ))[فاطر:22].
فاختلفوا في فروع هذه المسائل، وتقبلوا هذا الخلاف، ولم يظهر منهم ما يدل على الانزعاج من تعدد الرأي فيه، ما دام في حدود النص الشرعي ولم يخرج إلى ضلالة أو بدعة، ولم يكن قولاً مصادماً لصريح الكتاب والسنة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حمل على الآخر، أو أغلظ له بالقول بسبب خلافه، كما لم ينقل أن أحداً منهم قبل هذا القول المرجوح لمجرد أنه صدر من فلان.
وبهذا استطاعوا أن يضبطوا كفة الميزان، فلم يقبلوا القول المرجوح أو الضعيف ولو قال به أمير المؤمنين، مع حفظ مقامه من الطعن أو التهجم أو الازدراء.
إن الحماس المفرط للرأي أو للمتبوع، واعتقاد أنه حق مطلق يحمل كثيرين على العنف والإطاحة بمن يختلفون معه، استرسالاً وراء إحساس مريض بامتلاك الحق في المسألة الاجتهادية، واعتبار الآخرين مغرضين أو مدفوعين أو أصحاب هوى.
إن هذا الأمر الكوني الذي أخبر الله تعالى أنه واقع في البشرية، هو واقع في هذه الأمة ولابد، ويستحيل أن يجمع الناس على رأي واحد في كل المسائل الخلافية أو في غالبها.
وإنما أؤكد على هذا المعنى؛ لأنني سمعت واحداً من أهل العلم يقول: إنه يمكن جمع الأمة على قول واحد حتى في الفروع.
ولعله يظن أننا إذا استطعنا أن نصحح الأحاديث النبوية وننقحها ونختار منها؛ فإننا نستطيع أن نجمع الأمة عليها.
وهذه مقولة غريبة، ولكن أن تصدر من عالم له قدره ومكانته، فهذا مما يؤكد أن الاختلاف واقع، وأن انتحال القول الغريب قد يحدث من الأكابر، فكيف بمن دونهم؟!
إن العلماء لم يتفقوا على تصحيح الأحاديث، ولا على شروط الصحة، ولا على توثيق الرجال، ولا على تعزيز الطرق بعضها ببعض، وبينهم تفاوت ضخم في التعليل والترجيح بين المرسل والمتصل والمرفوع والموقوف... في مسائل كثيرة في علم الحديث، فضلاً عن غيره، فلا سبيل إلى جمع الأمة على مذهب واحد، بل الخلاف لابد منه، وهو واقع إلى قيام الساعة.